15 أيار، 2013

في ممانعة نظام المجزرة.

 

164269_484476754952418_557336487_n-300x168

المقال منشور كإفتتاحيّة مجموعة الجمهورية لدراسات الثورة بتاريخ 8 أيار 2013

بعد أن نامت سوريا على مجزرة تعتبر من أفظع المجازر التي ارتكبها النظام وموالوه منذ بداية الحراك الشعبي في سوريا، استيقظت نشرات الأخبار على الخبر العاجل لقصف إسرائيل مخازن السلاح في دمشق. الخبر الذي أتى ليغطّي على كلّ الانتهاكات قبله (بما فيها المجزرة) لم يكن استثنائيّاً جدًّا، بالمقارنة مع انتهاكات إسرائيل الأخيرة (وعلى مدى أعوام) لنظام الأسد، هذا الذي لم يقم بالردّ على أيّ منها بالشكل الذي يمنع إسرائيل من القيام بغارة مثل الأخيرة، على العاصمة دمشق ومستودعات الأسلحة الأسديّة، بعد أن سمح لها بالذهاب بعيدًا بالقصف في دير الزور عام 2007 وأبعد من ذلك بالتحليق فوق قصره الجمهوري في اللاذقيّة دون رادع قبلها بسنوات. المفارقة هنا أنّ هذه الأسلحة التي قُصفت هذه المرّة هي أسلحة يستخدمها النظام الأسدي اليوم في وجه المواطنين السوريين، ويفظّع بهم في أفظع ما شهده تاريخ سوريا الحديث من جرائم. وهنا بالضبط تكمن البلبلة التي انتشرت بين أوساط المعارضين للنظام الأسدي، من جهة، وممانعي ممانعة الأسد من جهة أخرى.

ما استعصى على الفهم من قبل أوساط الممانعين كان، وببساطة، أنّ الفرحة التي انتشرت بين بعض فئات الشعب السوري لم تكن زغردةً لهجوم إسرائيل على دمشق، ولا فرحًا بوقوف إسرائيل المزعوم إلى جانب الثورة أو الثوار. بل كانت وببساطة فرحة لتخريب الأسلحة التي كانت مُعدّة للاستخدام في وجههم. يقول أحد الناشطين: «كيف لا أفرح لتدمير آلةٍ كانت مُعدّة لقتلي؟». المسألة منفصلة تمامًا عن مَن بالضبط الفاعل الذي قام بتدمير الأسلحة، ومتعلقة بفعل تدميرها وحسب. هذا ما بدا جليًّا في فرحة البعض لتدمير المخازن قبلَ أن تعلن أيّ من إسرائيل أو دمشق أنّ إسرائيل هي من قامت بالغارة.

من جانبٍ آخر فإنَ معرفة أنّ من قام بالتدمير هو إسرائيل يجلب الجدل الآخر من المسألة؛ الغصّة كبيرة والفكرة ليست سهلةً على المضغ، إسرائيل تقوم بغارةٍ مستهدفةً دمشق. إنها إسرائيل العدو الذي مهما كان عدوًّا لعدونا، لن يصبحً صديقًا. فإسرائيل وتاريخها الملطّخ بالدماء لن تصبحَ يومًا صديقةً للشعب السوري، وإسرائيل تعرف ذلك جيّدًا ولم تقم بغارتها تلك نصرةً للشعب السوري من كلّ بدّ.

مخطئ من يعتقدُ بأنّ إسرائيل يمكن أن تكون صديقةً للشعب السوري يومًا، فمسألة الصراع مع اسرائيل ليست قضيّة النظام الأسدي، إنها بالدرجة الأولى قضيّة الشعب السوري. والجولان، المحتلّ من قبل إسرائيل، هو جزء من الأرض السورية وليس جزءًا من المزرعة الأسدية، والدفاع عنهُ والتمسك به لا يرتبط بالأسد وحزبه.

انتشرت الكثير من التحليلات والشروحات التي تبرّر وتفسّر عن الأسباب التي يمكن أن تدفع إسرائيل للقيام بغارة على مخازن الأسلحة في دمشق. المشترك الوحيد بين كلّ هذه التحليلات كان أمرين، الأوّل أنّ روسيا لن تدافع عن الأسد دون استثناءات، والآخر هو أنّ إسرائيل تعرفُ تمامًا أن وقوع أسلحة كالتي بيد النظام اليوم بيد المعارضة غدًا سيشكل خطرًا عليها. لذلك، وبنفس الخبث المعتاد من قبلها، اختارت إسرائيل الوقت الأكثر حساسيّةً، والذي كان ليشكل بلبلةً بين أوساط المعارضة أنفسهم حول الأمر، وقامت بالقصف.

إستطاع النظام الأسدي وعلى مدى أعوامٍ ربط فكرة الممانعة ومقاومة إسرائيل به شخصيًّا، وعمد إلى إطلاق صفة «خائن» أو «عميل» على أيّ ممن يقف بوجهه في أيّ من الأمور الداخلية في البلاد، تحت نفس الذريعة. حَكم الأسد وحزبهُ سوريا أعوامًا تحت قانون الطوارئ، بحجّة أنّ البلاد في حالة حرب مستمرّة مع إسرائيل، وعمد إلى استخدام هذا الإسلوب بشكلٍ متواصل ودائم في جميع المحافل الإقليمية والدولية. وكطفلٍ بات يعرفُ نقطه ضعف والديه، عرف الأسد ونظامهُ نقطه ضعف سياسة المنطقة وحاجتها إلى الممانع المغوار، حتّى يكتمل مشهد الحكام العرب بين البائع والمتطبّع والخائن والممانع.

لكن، ومع بداية الحراك الشعبي في سوريا في آذار 2011، تحوّلت صفة «ممانع» إلى عبارة ساخرة يستخدمها الثوار بين بعضهم للسخرية من مواقف النظام ومن يقفُ خلفهُ بحجّة الممانعة، التي لم يبقَ منها حتّى شبح الوجود في أعين معظم الشعب السوري، مثلها كمثل «مندسين»، الصفة التي أطلقها النظام السوري على الثوار على أنهم مندسون من قبل إسرائيل وأميركا للعبث بتلك الممانعة الوهميّة. فلا وجود لممانعة حقيقيّة تقاتل مجرمًا من جهة وتقتلُ بشعبها بذات الإجرام من جهةٍ أخرى.

20 نيسان، 2013

المصوِّران... وأنا

 

ay_107957674

منشور في جريدة المدن الألكترونيّة بتاريخ 19 نيسان 2013

 

غامضة، مفرحة، ومؤلمة. إنها الصورة التي تُظهر ردود أفعال فريق عمل وكالة "أسوشيتد برس" للأنباء عند سماعهم خبر فوزهم بجوائز "بوليتزر" عن صورهم من سوريا.

من بين عديد الصور السورية المؤلمة، تبدو هذه الصورة الأكثر إيلاماً بالنسبة إلي، والأكثر تأثيراً. الرجل إلى اليمين يصفق فرحاً كمن ربح "اليانصيب"، فيما ينحني الشاب إلى اليسار على الطاولة وكأنه يطلب منها أن تسند بعضاً من قساوة ما سمعه. لا تبدو الصورة منطقيّة. لا تعطي إنطباعاً حقيقياً بفرح أو حزن ما. المشهد يكاد يكون سورياليّاً. ولا شيء فيه سوى فوضى الحقائق جميعاً.

في خضم هذه الفوضى، أفكر فجأة بالشخص الذي التقط الصورة. لماذا التقطها؟ أكان يعكس لنا حالة فرح الأول أم حزن الثاني؟

كتب تحت الصورة شرحاً للمشهد، يفيد بأنّ الصورة تعكس ردود أفعال فريق عمل الوكالة عند سماعهم خبر فوزهم بالجائزة عن فئة "الأخبار العاجلة" في خصوص الموت والجرائم والألم و"الحرب الأهلية" في سوريا.

لحظة رأيت الصورة، اختلطت مشاعري أنا أيضاً، تماماً كالرجلين من وكالة الأنباء، لكني أعجز عن غض الطرف عن ذلك الوصف: "الحرب الأهلية". أفكر في وصف هذه الحرب، ثم أقرر أن أتجاهل الموضوع لأركز على الصورة.

أقول لنفسي: يحقّ للمصوّر، الذي خاطر بحياته في أتون نيران ونظام لا يحترم حتّى الاتفاقيات الدولية الخاصة بالإعلاميين، أن يحتفل بنيله الجائزة. تستحقّ شجاعته  تلك تصفيق الرجل إلى اليمين، كما تحتاج بقيّة المشاعر المختلطة إنحناءة الرجل إلى اليسار.

ثمّ أفكر مجدداً: ربح هؤلاء الجائزة، لكن ماذا عمّن صنعوا الصورة والحدث؟ عن شعب ما إن يرى الكاميرا حتى يفرد يديه للنصر، أو يحاول أن يخبرنا بعض ألمه بلغة الجسد التي يفهمها العالم برمته. أفكر في الكثير من المقهورين في سوريا، الذين يتعاملون مع الكاميرا على أنها المنفذ الوحيد إلى العالم، الأداة التي تصل الصوت بالصوت، والإنسان بالإنسان، علّ أحدهم يسمع النداء أوتتحقق معجزة ما.

أنتقل فجأة إلى النقيض. أفكر بأولئك الذين ما إن يروا الكاميرا حتّى يرفعوا أيديهم ليخفوا ملامح وجوههم الحزينة.

الكاميرا في تلك اللحظة، بالنسبة إلى هؤلاء، أكثر اللحظات حميمية وألماً. صوّرتهم، وقد تكون الصور فازت بجائزة، لكن ناسها ربما أصبحوا في خبر كان. نرى صورهم، ولا نعرف قصصهم، ولا أسماءهم ولا مصائرهم.

بين الرجل السعيد إلى اليمين، وذلك الحزين إلى اليسار، لا بد أن يكون هناك من التبس عليه الأمر. شخص ثالث ضائع بين تأييده للصور ورفضه لها. شخص ضاع في فوضى اللحظة. أفكر أكثر وأجد نفسي فجأة ً وقد أصبحت أنا ذلك الشخص الثالث في الغرفة، الشخص الغائب الذي لا نعرف مشاعره. الشخص الذي فضّل أن تكون ردّة فعله هي تصوير المشهد، ثم الإختفاء خلفه، ليظهر في ما بعد إسماً، قد لا نلاحظه إلى جانب الصورة. بفعلته هذه، يصنع الثالث خبراً جديداً. ويصبح خبر الجائزة نفسه، صورة أخرى، تدخل الجدل القائم أعلاه.

27 آذار، 2013

عن الثورة التي جمّلتنا و شوهتنا.

 

65327_430472637016868_1780713808_n

المقال منشور في جريدة المدن الألكترونيّة.

على طاولة في أحد شوارع بيروت المزدحمة بالفوضى والحياة، في 15 آذار 2013، يجادلني صديق حول مفهوم "الثورة" متسائلاً إن كان يصحّ تسمية ما يحصل في سوريا "ثورة" بالمقارنة مع المفهوم العام للثورات في المنطقة. أسكت قليلاً قبل أن تدور العجلة في رأسي. أفكر كيف يمكن لأيّ إجابة ألا تبدو مجرّد دفاع عن الثورة، عن حلمي الشخصي فيها. أستذكر بداية دخول السلاح إلى ليبيا، وكيف لم أتقبل الأمر بسهولة مع بدء مرحلة ظهور اسم حلف الأطلسي على نشرات الأخبار جنباً إلى جنب مع اسم ثوار ليبيا.

"تشوهنا"، أردّ على الصديق. يعجبني سماعها بصوت عال: "تشوهنا"، أقول مجدداً. ينظر إليّ من دون أن يقول شيئاً. أكمل: "تشوهنا عندما كان العالم غارقاً في النوم على وسادة من ريش الممانعة، التي يلفّ النظام السوري بها نفسه، أمام أكثر من كنّا نعتقد بأنهم هم الثورة العالمية، اليسار وصوت الحقّ العالمي. تشوهنا عندما استطاع العالم في معظمه ألا يرى في الشعب السوري سوى أشخاص وأرقام وصفقات تعقد تحت مسمى الصداقة مرّة، ومسمى الحوار مرّة أخرى. تشوهنا عندما أصبح "الإسلام" سياسة تمارس على أكتافنا ولم يعد ديناً تمارسه فئات من الشعب السوري ببساطه العيش والأعراف الاجتماعيّة. تشوهنا عندما باع اليسار هواجسه للورق واشترى الجهادَ سلاحاً للدفاع".

يسود صمت.

أفكر، ماذا يتوقع العالم من شعب لم تبق فيه عائلة لم يُستشهد أحد أبنائها، أو يعتقل، أو يُصاب، أو يُفقد، أو يُهدم منزلها، على أقلّ تقدير؟ كنت في بداية الثورة، منذ عامين، أحلم، كما كثيرين في سوريا، بثورة تستمرّ شهوراً وتنتصر. ثورة مدنيّة تحمل شعارات ملونة وتهتف للإنسان وتدافع عن الحقوق المدنيّة وحقوق المرأة وحريّة التعبير والمواطنة ومحاربة الفساد. لم أتوقع أن نصل إلى يوم يكون أوّل أهداف الثورة هو أن تكون "ثورة" بالمفهوم المتعارف عليه في المنطقة. أفكر بيني وبين نفسي وأشعر ببعض السذاجة. أليس هذا حلمنا جميعاً؟ ألم يجرّنا النظام إلى روايته الأولى التي وضعها حول الإرهابيين؟ ألم يفتح المجال لإدخال السلاح إلى البلاد وشدد الرقابة، في الوقت نفسه، على الأدوية والغذاء؟

أقطع الصمت، وأقول فيما أحرّك القهوة الراكدة في الفنجان: "أنا لا أدافع عن الثورة، ولا أبرر أخطاءها. الثورة تدافع عن نفسها ويدافع عنها التاريخ. أدافع عن إنسانيتي، عن إنسانيتنا". 

على مدى عامين، فقدنا، من بين ما فقدناه، جزءاً كبيراً من إنسانيتنا، على المستويين الشخصيّ والاجتماعيّ. أتألم لأن فكرة "الثورة" من عدمها هي موضوع النقاش. ليست الثورة مصطلحاً فحسب. هي أسلوب حياة. والثورة، بالمفهوم، لا تختلف، سواء كانت مسلّحة أو مدنيّة. الاختلاف في عدد الذين سيخافون من الثورة المسلحة، وسيطلقون عليها تسميات عدّة، كلّ بحسب ذاكرته الشخصية عنها وتجاربه الشخصيّة مع فئاتها. أما الثورة نفسها، فستبقى كما هي، قد تنتصر، وقد تُسرق. وفي داخلي، أعرف أنّ في هذه الثورة شيئاً عميقاً جدّاً، وجميلاً جدّاً، وسأبقى بعد ألف عام أثق بأنّها أخرجت أجمل ما في الشعوب وأقبحه. هذه الثورة، بكلّ أخطائها، كالأم... لا يمكن إلّا أن تحبّها.

23 آذار، 2013

سقوط الآلهة

 

380990_10151500319785027_1724799835_n

النص منشور في مجموعة الجمهورية بتاريخ 18 آذار 2013

عندما كنت  طفلة في الخامسة، أو السادسة لا أذكر، كنت أتساءل عن ذلك الرجل صاحب التماثيل في كلّ مكان، وكانت الإجابات دائما ً تأتي ضبابيّة. «جدّو»، هكذا قررت أن أنادي شيبته بحدسي الطفولي. لم أفهم يوماً السبب الذي يجعل من نفس الشخص موضوعاً لعدد من المنحوتات والصور في المدينة تماماً كما توزّع جدتي صورنا في منزلها. الشيء المختلف هو أنها لم تكن نفس الصور في منزل جدتي لكنّ  صوره كانت واحدة أو اثنتين موزعتين في كلّ مكان. أكثر ما كان يثير فضولي هو حركه يديه، يضمّها أو يفردها بشكل غير طبيعي، غير بشريّ، إن صحّ التعبير. أطلقت مرّة عبارة طفوليّة بأنه يمدّ يديه في الهواء كأنه يسأل الناس شيئاً أو عطيّة، كنت في التاكسي مع جدتي التي قررت أنّ الترجّل من التاكسي كان أفضل جواب، وفعلاً كان كذلك.

كبرت وشبح ذلك الرجل في مخيلتي، شبح يشبه الآلهة لدرجة أنني عندما التحقت في المدرسة الابتدائيّة وبدأت أحفظ أقواله أصبت بحالة ضياع كبيرة بينه وبين الله الذي كنت أقرأ أقواله القرآنيّة في حينها. في كلتا الحالتين كان الغلط ممنوعاً وبشدّة وكان حفظ الآيات القرآنية أو الأقوال الرئاسيّة متشابه جدّاً لأعوامي السبع؛ لا يمكن في أيّ منهما أن تخطئ ولا حتّى في التشكيل، ولا يمكن في أيّ منهما أن تبدأ القراءة دون مقدمة «بسم الله الرحمن الرحيم» أو «قال الرئيس القائد حافظ الأسد» وفي كلتا الحالتين كان هناك عرف إجتماعيّ بأن لا يتطرّق أحد إليهما أو يسائلهما.

هناك شيء من الألوهة التي أحاط حافظ الأسد بها نفسه لدرجة أنني عندما رأيته، بعد  موت ابنه باسل، يبكي مرّة أصبت بشيء من الذهول… كيف  للآلهة  أن تبكي؟

صورته على دفاتر المدرسة وكتب الدراسة تعني أنّ  صاحبها هو الأوّل في التحصيل العلمي. كنّا نحبه دون أن نختار ذلك فقد كان في كلّ مكان. في عيد الميلاد ورأس السنة، كما في الأعياد الرسميّة الأخرى. صوره تأتي على شكل حبل  غسيل يمتدّ بين ألوان الفرح والعيد، يمدّ رأسه بين َ لون وآخر ليلقي نظرة ويتأكد بأننا مازلنا نحبّه ولم يشغلنا العيد عنه.

على أبواب كلّ الأماكن الثقافيّة، الشبابيّة، أو حتّى الطفولية كان هناك لوحة بيضاء من الغرانيت حفر عليها أسماء عدّة كانت قد نابت عن سيادته بالقيام بتدشين المنشآت، لكنّ الاسم المرسوم بخط كلاسيكيّ جميل يضاعف حجمه حجم  كلّ ما كتب على اللوحات هو إسم سيادته، «حافظ الأسد».

هذا ما يفسّر أنّ المشهد الأجمل في الثورة والمشهد الذي تكرر مراراً دون ملل هو اللحظات التي يسقط فيها تمثال أو تركل أو تمزّق صورة لتلك الآلهة. المشهد الأوّل الذي عرفت، بشكل شخصيّ، عنده أنّ الثورة اشتعلت فعلاً كان فيديو شاب يتسلّق َ نادي الضبّاط في حمص ويركل، بكلّ قوته، صورة «القائد الخالد». يركل بقوّة وكأنه ينتقم من كلّ المشاهد والصور في الذاكرة، كلّ التماثيل وحركات اليدين. يركلها وكأنه يركل الألم الذي عاشه الشعب أربعين عاماً خلف تلك الابتسامة الصفراء الذي كان يزين حافظ الأسد بها صوره وهو ينظر إلى الشعب من الأعلى.

هذا المشهد، نفسه، لم يتوقف يوما ً منذ بدء الثورة، وكأنه الرمز الذي يربط جميع تفاصيلها معاً. كان آخر ما سجّل في هذا السقوط هو مشهد إسقاط تمثال حافظ الأسد في محافظه الرقة المحررة حديثاً. هوى أرضاً وزغردت النساء، هوى أرضاً وركض َ الرجل الستينيّ ليفرغ ما بجعبته من بول على رأس «الإله الخالد».

18 آذار، 2013

لا وقت للموت و لا وقت للحياة

 

575452_608797442468474_1650550997_n

كنت ُ أعتقد ُ بأنني استطعت ُ، و خلال عامين من الثورة و القتل اليوميّ، أن أعقد َ صفقة ً نفسيّة ً مع الموت تقتضي بأنّ لا يفاجأني و أن أتصالح َ معه ُ ما يكفي لأن نستطيع التعامل واحدنا مع الآخر بشكل ٍ يوميّ على أن يبقى هذا التعامل سطحيّ قدر المستطاع. مع هذا، كنت ُ دائما ً أخشى على الإنسان في داخلي أن يموت، أن يفقد القدرة على أن يشارك َ الآخرين جزءا ً من آلامهم التي لا تمتّ للثورة في سوريا بشيء فبمراحل كثيرة ماضية كانت الصفقة التي عقدتها مع الموت كفيلة ً بأن تجعل كلّ الأخبار السيئة التي أسمعها في الحياة تقاس ُ بالمقارنة مع الوضع في سوريا حتّى تعتبر سيئة أو جيدة.

الجمعة 15 شباط 2013 مساء ً، استيقظت من تلك الكذبة التي أعتقدت ُ أنني عقدتها مع الموت؛ توفي أحد الزملاء في الجامعة. "ماجشيك" (1990 - 2013) أصيب َ بالسرطان في المرّة الأولى و استطاع َ التغلّب على المرض ليعاود المعركة معه ُ و ينتصر الموت بينهما.

بعيدا ً عن كلّ مشاعري الشخصيّة المتعلقة بموت زميل ٍ لن تستطيع َ الصدفة أن تجد َ له ُ شبيها ً، فقد عشت ُ في الأيّام الماضية صراعا ً فكريّا ًمع الموت كفلسفة. الحالة التي كنت ُ أعتقد أنني أعيشها لم تكن صفقة مع الموت، بل هي، ببساطة، إعتياد الموت حتّى ما عاد مفاجأة مؤلمة، و بالتالي عندما يأتي خارج السياق المعتاد له ُ فإنه ُ يحافظ على المعنى الحقيقي ّ للموت.

عندما ذهبت ُ إلى جنازة ماجشيك كنت ُ أكرر و أنا في الطريق بأنّ مشهد الموت هو جزء من المشاهد اليوميّة التي يشاهدها أيّ سوريّ يعيش ُ في سوريا او يتابع ُ الفيديوهات التي يتمّ رفعها على اليوتيوب. كان َ من السهل جدّا ً الحديث عن أمر ٍ جلل كالموت، لكن كلّ شيء أختلف عندما وصلت ُ إلى تلك القاعة المكتظّة بالصمت، كان َ هناك َ صمت ٌ لا تقطعه ُ سوى تمتمات البكاء. دخلت ُ القاعة و نظرت ُ إلى تابوت ٍ مفتوح و تغيير كلّ شيء.

أقتربت ُ من الجثــّة، وقفت ُ أمامها، نظرت ُ إلى يديه، عينيه، تفاصيله ُ. كانت كلّ ملامحه ِ نظيفة و لوهلة ٍ بدا لي الامر غريبا ً، فكلّ صور الموت القادم من سوريا مطرزة بالدم و الحجر و الرصاص و الغبار و الورد. عرفت ُ في تلك اللحظة ً أننا، كمجتمع ثورة، مهما حاولنا أن ندعي بأنّ شهدائنا ليسوا أرقاما ً إلّا انهم كذلك، بكلّ ما في هذا من ألم ٍ، فنحن ُنقيس الألم اليوميّ للموت حسب الرقم كبيرا ً كان أو صغيرا ً. الموت السوري لم يعد يشبه الموت. نحن ُ نعرف ُ في كلّ صباح ٍ أنّ عددا ً معيّنا ً من الناس في سوريا سيموت اليوم، نحاول ُ أن نهيئ نفسنا قدر المستطاع على تحمّل وقع الصدمة و نصلّي لأن لا يكون بينهم صديقا ً أو قريبا ً نعرفه ُ كي لا نضطر للتعامل مع الموت المجرّد و نكتفي بالتعامل مع الموت السوري. فالموت المجرّد ليس َ حالة ً يوميّة بطبيعته، إنّه ُ استثناء ٌ جلل يقع بين الحين و الآخر و يهزّ عرش الحزن في داخلنا كأشخاص و يعيش ُ طويلا ً في مفاصل الأحاسيس التي نستنشقها من داخلنا، أمـّا الموت السوري فقد بات َ جزءا ً من العمليّة الروتينيّة لليوم العادي، لا وقت للحزن و لا وقت للحياة!..

ماجشيك، أشعل رحيلك نجمة ً جديدة ً في السماء و أسميتها باسمك، أبلغ سلامي لشهداء سوريا.

 


المقال منشور في جريدة سوريتنا العدد الخاص بسنوية الثورة.

24 شباط، 2013

شباط يتكرر وحسين ما زال "هناك"

 

 

554984_438430882868587_9978701_n

في بداية شهر شباط 2011، كانت الثورة المصريّة في أوجها، و كان الشباب المصريّ يعاني من القمع والاعتقال والقتل على يد قوات الأمن المصرية التي كانت تدافع عن حسني مبارك و بقائه في الحكم. في تلك الفترة كان حسين غرير، المدوّن والصديق المعتقل الآن للمرّة الثانية، يحدثني دائماً عن إعجابه بالإصرار الذي يمتلكه الشباب الثوري في مصر. كنّا نحلم ونتحدث عن "الثورة" و"سوريا"، وكان حسين كثيراً ما يردد أنّ الموت والاعتقال لن يكونا مشكلة يوماً في سبيل سوريا، الوطن، ومستقبله.

بعد نجاح الثورة المصرية في إسقاط مبارك و حكومته، كانت الغصّة الممزوجة بالحرقة هي لغة الحديث بيني وبين حسين لأيّام . كان هناك شعور عارم بالفرح، من جهة، والخيبة والحلم، بكلّ تناقضاتهما، من جهة آخرى. وبعد انتشار أغنية "يا بلادي" عن الشهداء في مصر، دار بيننا حديث عن ذهولنا من قدرة هؤلاء الثوار، الشهداء منهم خصوصاً، على تغيير التاريخ حتّى الموت. كلّ تلك الأفكار والأحلام والبطولات التي قرأنا عنها في الكتب كانت على بعد خطوات ليس أكثر. في مقاربات ذلك مع الوضع في سوريا قال  حسين مرّة ما معناه إنه لا يخشى الموت، إنما يخشى أن يعيش ليسأله أبناؤه عن الذي قدّمه لسوريا من دون أن يجد ما يجبهم به.

كان ذلك في شباط 2011. أما اليوم، شباط 2013، فحسين يقبع في أقبية المعتقلات الأسديّة  وأنا أكتب عنه بخجل. 

اتفقنا حينها، بعد إسقاط مبارك، أن "نحجّ" يوماً إلى ميدان التحرير لنرجم الخوف بورد يشبه "الورد اللي فتّح في جناين مصر"؛ ورد أحمر كالثورة والحبّ، كشيء من الوفاء لتلك الرغبة القويّة بالحريّة التي عاشها شهداء مصر حتّى رحلوا معها. 

لم يكن ثمة في ذلك الوقت أية بوادر للثورة في سوريا. وكنت وحسين، كما العديد، كلاسيكيين جدّاً في نظرتنا إلى الثورة في مصر، وكان الحلم قوياً ورومنسياً وصعب المقاومة؛ ثورة نقيّة تشارك فيها كلّ فئات الشعب تـُسقط النظام، لنبدأ بناء الدولة المدنيّة التي نحلم بها. بهذه البساطه والسذاجة كانت أحلامنا. 

اعتقال حسين الأوّل أتى كالصفعة الأولى على الوجه!

لم أستطع أن أتخيّل كيف يقبع حسين في السجن. الشاب ذو الإبتسامة الدائمة والأبّ الذي يحرص، مهما كان مشغولاً، على أن يقضي وقتاً يومياً مع طفليه، يلاعبهما كأنه طفل ثالث بينهما. يسهر وهو يلاعب زين، ذا الأشهر القليلة من العمر، وما أن ينام، حتّى يبدأ يوم ورد، ابنه الأكبر، حين يصحو بشقائه المعتاد. 

"هل تراهم يعلمون أنهم باعتقال حسين يعتقلون أرواحاً صغيرة زرعها في محيطه"، كنت، وما زلت، أتساءل. 

اعتُقل "أبو ورد"، للمرة الثانية، بعد أشهر من إطلاق سراحه. في شباط 2012، داهمت قوى الأمن مكان عمله في "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير" في دمشق، بعد أن نصبت كميناً لكل العاملين في المركز، ومن بينهم حسين.

مضى عام على الاعتقال الثاني لحسين، وعامان على سقوط مبارك. زرت مصر في هذا الوقت، وزرعت الورد الذي اتفقنا أن نزرعه معاً في ميدان التحرير، إلّا أن هذا الورد لم يكن لشهداء الثورة المصرية، كما الاتفاق، بل لحريّة حسين غرير الذي يكمل اليوم عاماً في المعتقل.  



التدوينة منشورة في جريدة المدن  الألكترونية بتاريخ 16 شباط 2013

11 شباط، 2013

يمتحن سوريتي، “بالخلاص يا شباب”؟

 

181507_109209712490143_1954504_n 

"يعني إنتِ سنيّة أو علويّة؟"، سألني  في محاولة لربط طائفتي بموقفي السياسي من النظام في سوريا. "و شو بهم إني كون سنيّة، أو علوية، أو حتى هندوسية؟"، أجبت متمنية أن يفهم من لهجة الجواب أنني لا أرغب في الخوض كثيراً في هذا الحديث الذي قد يدخلنا في أحاديث "جانبيّة" عديدة يبدو أنه متلهّف لها.

"يعني سنية؟"، سأل ثانية ولم يتوقف ليسمع الإجابة، بل تابع قائلاً: "انتوا في سوريا عندكم الحس الطائفي عالي، احنا بمصر كلنا مصريين، حتى الأقباط مصريين".

وضعت الكتاب الذي كنت أتصفحه جانباً، وقررت الانسحاب من الحديث الذي بدأ يزعجني، وتزعجني أكثر مقارناته الاعتباطية. حاولت التهرّب من الموقف كي لا أغلط بحقّ صاحب المكتبة التي أجلس فيها، أو أنفعل على نحو غير لائق، أو أضع نفسي في دائرة الاتهام الطائفيّة تلك.. لكنّ شيئاً ما دفعني لمحاولة فهم حقيقة هذه النظرة. استوقفتني كلمته الأخيرة، "حتّى الأقباط مصريين"  كأنه يحاول أن يقول إنهم استثناء بطريقة أو بأخرى. فهمت كيف يفكر فقررت متابعة الحديث. 

"فيه بسوريا كتير طوائف و إثنيات، والانتماء السوري لسوريا كمفهوم وطن، كان لسنين عديدة مرتبط بالانتماء للحزب و الولاء لشخص الرئيس، بوقت الانتماءات التانية كانت كلها ممنوعة عدا الدين، و هذا بيلعب دور كبير بـ...". 

شعرتُ للحظة بأنه لن يفهم كلامي إلّا بوصفه تبريرات مفرغة من أيّ معنى. شعرت بالغيظ لأنني في امتحان لإثبات أنّ السوري ليس بالضرورة طائفياً و ليس بالمطلق ذا انتماء أهلي أكثر منه وطنياً. 

قال الجملة التي كنت أتوقعها: "وإحنا أيام مبارك كنا كدة، والله"! شعرت أكثر فأكثر بأنني في امتحان  غير معلن. نظرت إلى الرجل. لم يكن يبدو عليه أنه يحاول إحراجي، و لم يكن يبدو عليّ أنني مرتاحة للحديث.  

حملت كتاباً عشوائيّاً من على الطاولة في محاولة لأن أبدو مشغولة لبضع ثوان، أعيد ترتيب أفكاري فيها. كان كتاباً لوائل غنيم يتحدّث فيه عنa ثورة ٢٥ يناير. 

فجأة، بدت كل أفكاري مرتبة. شعرت أنني أستطيع الآن أن أشرح للرجل أنّ الثورة السورية ليست فعلاً طائفيّاً، وإن كانت رغبة بعض الإعلام العربي أن يروّج لها على أنها كذلك لتتناسب مع أجنداته. 

أحسست بأن من الواجب علي أن أحكي له عن سوريين لا يحاولون الاختباء خلف أصابع التاريخ ليبدوا مثل لحظات كوداك، بريئين من وزر الخطايا البشرية، أو ليبدوا شعباً طيباً يمارس الدين الشعبي الاجتماعي على نحو محافظ، دون الدخول في دوامة الطائفية.

شعرت بأنني سأقول له إن النظام السوري ليس مجرّد أداة نعلّق عليها فشلنا الاجتماعيّ بالتواصل بيننا كطوائف في بعض الأحيان، بل هو من شوّهنا عبر كلّ التفاصيل، و لذا قمنا بالثورة... 

أردت أن أقول الكثير، و أشرح الكثير، لكنني شعرت بالعدميّة السوداء، و الحزن. "عندك بالخلاص يا شباب لياسين الحاج صالح؟"، سألته كمن تذكر شيئاً قبل أن أخرج إلى السير مع أفكاري في شوارع القاهرة المزدحمة.

---

التدوينة منشورة بجريدة مدن الألكترونيّة.

_____
الصورة من ثورة 25 يناير في مصر.