يحدث ُ كثيرا ً أن نمرّ كالطقس في مرتفات ٍ و منخفضات ٍ و تقلبات " جويّة " تقيّد تصرفاتنا ، مشاعرنا ، حاجاتنا ، رغباتنا و غيرها دون أن ننتبه للأثر الذي تتركه ُ فينا و ربما نهمل ُ علاقاتنا بالمحيطين إلى أن يأتي أحدهم فيترك فوق دمعتنا ابتسامة لنجد في هذه الإبتسامة كلّ ما نحتاجه ُ كي نبقى أحياء ريثما نستطيع النهوض أقوياء من جديد :
1 - خرجت ُ من الجامعة صباح يوم الأربعاء عائدة ً إلى المنزل في فترة الظهيرة كي أتناول وجبة الغداء قبل أن أعود لأواصل يومي الجامعي ، لم يكن يوم الأربعاء من أجمل أيّـام حياتي ، و ربما أستطيع أن أقول أنه يعد ّ من أسوئها على جميع الأصعدة ، ما هممت ُ أخرج من المبنى حتى اكتشفت انـّه سيكون علي ّ الإنتظار 15 دقيقة في برد شيكاغو الثلجي فالباص الذي استقله بدأ يتحرّك في الطرف المقابل و لن أستطيع اللحاق به، لكن ّ الباص توقف ! كنت ُ اراه ُ من بين أشباح السيارات التي تمرّ مسرعة ً ، مازال واقفا ً منتظرا ً ! هل تراه ُ ينتظرني ؟ ركضت ُ بأمل ، و هذا ما كان فعلا ً . صعدت ُ إلى الباص محمـّلة ً بلهاثي لإفاجأ بسائق الباص يضحك عاليا ً و يقول :
- عندما رأيت ُ عينيك تنظران بيأس ٍ إلى الباص قررت ُ أن أنتظرك ِ ، لن أكون مجنونا ً و أتركك تنتظرين في البرد حتى الرحلة الثانية .
ابتسمت دون أن أستطيع الإجابة فمهما قلت ُ لحظتها لم يكن ليكون كافيا ً أكثر من الإبتسامة التي تبادلناها ..
و أيضا ً ..
وصلت ُ إلى وجهتي و عندما كنت ُ أهم ّ للنزول ِ من الباص ألقيت ُ تحيّة الوداع عليه : “ ليكن يومك جيّدا ً “ ، نظر إلي ّ ، هزّ رأسه ُ و قال : “ أنا بحالة جيّدة كما هو يومي الآن ، ليكن يومك أنت أفضل “ :) ..
كيف أستطيع ُ أن أخبر َ ذلك السائق أنني ممتنـّة ٌ إليه بابتسامة ٍ ترتسم ُ على شفاهي كلّما مرّ في خاطري كم كان لطيفا ً معي عندما كنت ُ بحاجة ٍ إلى ذلك اللطف !
2 – الأربعاء مساء ً .. في الساعة السادسة من مساء كلّ أربعاء أتجه إلى الغرفة رقم 208 من بناء ستيفنسن في الجامعة كي أحضر درسا ً في اللغة الإسبانيّة ، و كما يروّن في الأفلام أحيانا ً ، أدخل ُ غرفة الصف عادة ً لأترك كل ّ تعب على بابه فالمدرّسة و الطلاب و اللغة و كل ّ شيئ ٍ هناك ممتع ٌ للغاية .. لكن ّ الأربعاء الماضي كان كلّما يتحرّك ُ في جسدي فلم أستطع أن أتركه ُ خارجا ً ، دخلت ُ الغرفة و جالست ُ احد المقاعد التي أعتدت ُ أن أجلس فيها .. لم أشارك بأي ّ حديث ٍ أو محاورة ٍ ، نظرت إلي ّ سيدة تجلس ُ في المقعد الأمامي نقوم أحيانا ً بالحديث ِ سويّا ً عن اللغة الجديدة و “ مغامراتنا “ معها .. أخرجت كيسا ً من حقيبتها و ناولتني قطعه فاكهة ٍ كانت الأطيب في حياتي ..
قالت و هي تناولني إياها :
– ربما ساعدتك ِ هذه ِ على استعادة نشاطك المعتاد ، كان علي ّ أن أمرّ إلى السوق قبل أن آتي هنا و مررت ِ في خاطري و صديقتنا الثالثة التي تشاركنا في حل ّ الأجوبة و الحديث عن اللغة فقررت ُ أن أشارككما بفاكهتي المفضلة ..
. . . و كيف لي ألا أبتسم :) ؟
ابتسمت ُ كثيرا ً في حينها ، ابتسمت ُ حتـّى أغرورقت عيناي بالإبتسام ..
3 – بالعودة إلى يوم الثلاثاء ، لم يكن هناك َ شيئ ٌ في الكون قادر ٌ على جعلي أحرّك شفتي ّ ، الثلاثاء عادة ً هو أسوأ أيّام الأسبوع فهو يوم تسليم المخططات و المجسمات و المشاريع المعماريّة و الليلة التي تسبقه ُ لا تشهد نوما ً أو راحة ً ..
كنت ُ جدّ متعبة ٍ و غير راغبة ٍ بالقيام بأي ّ شيئ و الوقت ُ يأكل منـّي الفرصة بأنجاز العمل . أجلس ُ إلى مكتبي أنظر ُ بغضب ٍ إلى كلّ شيئ ، اقتربت مني “جولي” ، ابتسمت ، اقترحت علي ّ أن أقوم بتصويرها لمعرفتها بمحبتي بالتصوير ، صورتها و عدت ُ أجالس ُ مكتبي بذات الطريقة السابقة .. اقتربت جولي مجددا ً و اقترحت أن نتصوّر معا ً هذه المرّة .. حاولت ُ الإبتسام للكاميرا و لكن ّ جولي لم تصدّق ابتسامتي .. حاولت أن تجرّني إلى حديث ٍ ما عن أهم الأشياء و الأشخاص في حياتي لكنني لم أخض في الحديث ِ معها كثيرا ً .
عادت جولي بعد نصف ساعة ، بدأت تضحك و تصرخ بأصوات ٍ مضحكة ، تهرّج ، تقفز ، ترقص ، ثمّ اقتربت أكثر و بدأت تروي لي قصـّة محرجة ً جدّا ً جدّا ً جدّا ً و مضحكة جدّا ً بمصطلحات غريبة جدّا ً ..
ضحكت ُ كثيرا ً .. ضحكت ُ حتـّى آلمني الضحك .. ضحكت ُ و ضحكت معي “ دموع عيني ّ “ ..
كيف أشكر ُ جولي ؟
اليوم ، بدأت ُ أنفض ُ عنـّي غبار “ المنخفض الجوّي “ لأعاود محاولة استلام زمام الأمور و الوقوف على قدميّ كي أكون أنا إبتسامة من يحتاج اصبعا ً يرسم ُ فوق دمعته ِ ابتسامة لكن لا يغيب ُ عن بالي أبدا ً صوت ُ سائق الباصو صديقتي الكبيرة في السن و جولي !
في هذا الصدد أيضا ً أذكر صديقي المدوّن د. وليد شام الذي رسم هو أيضا ً ابتسامة ً على شفاهي يوما ً في ردّ له ُ على تدوينة ٍ شخصيّة ٍ تخصني . ( شكرا ً وليد :) ! )
أخيرا ً ، شاركوني سماع أغنيتي المفضـلة في “ منخفضاتي الجوّية “ ( مقدمة المسلسل السوري “ الشمس تشرق من جديد " ) .. :
“ الحزن متل الفرح ، ببكي و بقوّي “
نقطه بنهاية السطر : هذه ِ تجربتي الأولى بأن أروي لحظات ضعفي على الملأ :)
الصورة بعدستي كانون الأوّل 2009