٢٦ كانون الثاني، ٢٠١٢

ميدان التحرير، الثورة مستمرّة

 

الطغيان ليس له إسم أو هويّة فقد يظهر كحسني مبارك يوما ً و كالمجلس العسكري يوما ً آخر ( و في بعض الدول الأخرى يظهر بأسماء أخرى ) ، أمّا الثورة فلها أسم ٌ واحد وشعب ٌ كامل يؤمن بقدرته على القضاء على كلّ أشكال الطغيان !

 

400355_263856813686421_127675500637887_687567_1410901939_n

٢٤ كانون الثاني، ٢٠١٢

سأصوّت لخيار الدولة المدنيّة لأنّ . . .


فـُتح َ منذ ُ قليل باب التصويت الفيسبوكي على إسم الجـُمعه القادمة ( 27 كانون الثاني ) و على الرغم من أنه ُ تعددت الأسماء و الجمعه واحدة ، و المتظاهريين سيخرجون و يتظاهرون و الشهداء سيستشهدون و الأحرار سيعتقلون بغضّ النظر عن التسمية . و على الرغم  من رمزيّه فكرة التسمية  و بساطتها في بعض الأحيان ، إلّا أن أحد الخيارات المطروحة في هذه المرّة هو الدولة المدنيّة . خيار الدولة المدنيّة كان منذ ُ أوّل هتاف في سماء سوريا مطلبا ً و هدفا ً لأنّ سوريا الدولة المدنيّة هي سوريا التي  يحلم ُ بها آلاف السوريين .

الدولة المدنيّة هو الإسم المختصر للكثير من الشعارات التي يرفعها المتظاهرون اليوم في شوارع سوريا: “واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد “ ، “ لا دينية و لا سلفيّة .. بدنا دولة مدنيّة “ ، “ حريّة، حريّة .. دولتنا مدنية ! “ و غيرها من الشعارات التي ارتفعت و ترتفع منذ ُ بداية الحراك الثوريّ في سوريا لتؤكّد على أنّ سوريا الدولة المدنيّة هي مطلب بالخطّ العريض لا تراجع أو تنازل عنه .

سأصوّت لخيار الدولة المدنيّة  لأنّه :

في الدولة المدنيّة حقّ الدفاع عن النفس تضمنه ُ الدولة.

الدولة تـُعنى بالإنسان أولا ً .

في الدولة المدنيّة لا وجود للأقليات ، كلّنا أكثرية .

في الدولة المدنيّة الدين و الوطن ، لا يلغي أحدهما الآخر .

في الدولة المدنيّة المسؤول موظّف لدى الشعب .

في الدولة المدنيّة من واجب كلّ مواطن أن يسأل أيّ مسؤول “ من أين لك هذا ! “

في الدولة المدنية كلّ الحقوق لكلّ المواطنين بغض ّ النظر عن الدين، العرق، اللون، الفكر . . . إلخ

في الدولة المدنيّة تنام الحكومة في العراء كي ينام المواطن تحت السقف .

في الدولة المدنيّة هناك َ ميزات لا تكفي صفحات هذه المدوّنة لعدّها.

لهذا كلّه و لأجل الشهداء و المعتقلين و المصابين و المتظاهريين و الصامتيين و الخائفين و السوريين بكلّ فئاتهم ، من اجل سوريا أفضل ، من أجل قضيّة اعلاميّة و رسالة واضحة عن سوريا ما بعد الأسد، أدعوكم إلى إختيار خيار جمعه الدولة المدنيّة .

للتصويت إضغط هنا .

معا ً من أجل دولة ديمقراطية مدنيّة في سوريا

ملاحظه : نص ينشر بالتزامن في عدد من المدونات و المواقع ،  حقوق النشر مفتوحة شرط أن تؤمن بالدولة المدنيّة .

٢٢ كانون الثاني، ٢٠١٢

قهوة يوم الأحد - الكسولة - : الثورة أكبر من بندقيّة

قهوة الأحد 22 كانون الثّاني 2012

منذ ُ زمن ٍ طويل ٍ لم أمارس عادتي الصباحية الكسولة في الإستمتاع بالقهوة على أنين الكيبورد يبحث ُ في الفضاء الألكتروني عن آخر الأخبار  ، مضى عدّة أشهر على قهوة الأحد الكسولة الأخيرة التي شربتها على صفحات هذه المدونة . و ها انا ذا أعود ُ لقهوتي الكسولة و ها هي الساعة الثالثة لقراءة الأخبار تدقّ باب صباحي الكسول الأوّل منذ ُ زمن، ربما لأنه ُ لا كسل في الثورات !

الثلج ُ يملأ المكان و نافذتي تشعر ُ بالبرد ، أشياء كثيرة تشاركني الكسل هذاا الصباح و كأن بيننا موعد لم يتأخر أحدنا عنه ُ .

أشرب ُ قهوتي و أسكر ُ و كأنّ تشابه الأحرف بين الســُكر ِ و السّكـَـرْ قد ذاب كقبلة ٍ بين شفاه ٍ باردة ٍ بين هذه الأشكال التي يرسمها عبق ُ الدخان المتصاعد من الفنجان، بينما  أسمع ُ قصيدة حسام ملحم “إلى طفلة تدعى شمس “ . حسام ملحم هو أحد شباب أخويّة سوريا المعتقلين عام 2006 و هنا يبدأ الحديث و ينتهي في آن معا ً.

أترككم مع القصيدة ": 

 

خبر هروب علي عبد الله صالح ، رئيس اليمن السابق ، يحتلّ العناوين العريضة في صفحات الأخبار . ها هو رئيس آخر اصابته ُ حمّـى الثورات بالسقوط و الهرب . الرئيس اليمني إلى الولايات المتحدة الأميركية ، دون محاكمه .

تزامنت الثورة اليمنيّة مع الثورة السوريّة فلم أستطع أن أتابع بغزارة كامل التفاصيل في اليمن و لكن من متابعاتي القليلة أشعر ُ بفخر ٍ كبير ٍ بالشعب اليمنيّ الذي حافظ َ على ثورته ِ ضمن الحدود العريضة للسلميّة. لا يمكن مقارنة ثورة ٍ بأخرى دون الأخذ بعين الإعتبارات كلّ المنافذ و الظروف المحيطه ، و لكن الذي يمكن ُ مقارنته هو الفكرة الأوسع للثورات عبر التاريخ  و التأكّد بأنّ معظم الثورات المسلّحة كانت فاشلة و باهظه الثمن ماديا ً و بشريّا ً ( إقرأ هنا ) .
يتناول البعض هنا و هناك على الصفحات الإجتماعيّة الرغبة بتحويل الثورة في سوريا إلى مسلّحة لأنّ النظام ، حسب قولهم ، لا يرحم و لأنه ُ يقتل ُ من الشعب ما يقتل دون َ أيّ رادع ٍ إنسانيّ أو أخلاقيّ . يضرم ُ الحزن كما يضرم ُ النار في قلوب الآلاف ممن فقدوا أحبتهم في سبيل العيش الكريم.

و لكن !
هل سيمنع حمل السلاح و إعلان الجهاد النظام من أن يقتل المزيد ؟ أم سيعطيه المبرر أمام الرأي العام العالمي للدفاع عن نفسه ِ و التمسّك بروايته الأولى بأنّ المتظاهرين هم مخربون و حملة سلاح ٍ و قتلة يهددون أمن البلاد؟
أستغرب بمن ينادي بحمل السلاح ، فالنظام وضع الرواية منذ ُ البداية و حمل السلاح في هذه المرحلة لن يكون إلّا تنفيذا ً لهذه الرواية . لقد حاول النظام  جاهدا ً تسليط الضوء على الثغرات و الأخطاء العنيفة التي وقعت في صفوف الثوار كي يكسب َ جمهورا ً يصدّق روايته، و مازال يحاول، لذا فإنّ التسلّح و العنف لن يكون َ أكثر من إعطائه الورقة الأخيرة كي يقوم بالقضاء على الثورة بكلّ من فيها بالطريقة التي يراها مناسبة ، سواء كانت مجازر جماعيّة أو غيرها و كلّ ذلك سيكون في صمت ٍ من الرأي العام العالمي لأنّه سيقلب الطاولة لصالح النظام و سينتقل الأخير من ظالم ٍ إلى مظلوم ٍ و بل و ربما سيعتبر العالم بأنه ُ ظلمه إذ لم يصدق روايته منذ البداية .

علينا ألّا ننسى أنّ العالم أجمع لم يعش 40 سنة و نيف في ظلّ النظام السوري ، لا يعرفه ُ جيدا ً و لم يعايشه ً كما فعل الشعب السوري لذا سيكون خداعهم سهل إن إنتقلت الثورة إلى مرحلة عنيفة .
قد يقول قائل أن لا فرق أبدا ً فمعظم الدول العربية و العالمية، الكبرى، و الصغرى لم تكن قادرة على حماية شاب من قناص في أيّ من المدن السورية، هذا صحيح ، و لكن يجب أن نذكر بأنها حاولت و تحاول بطرق ٍ مختلفة و هناك ما يمنعها سواء كان من مصالح أو عوامل سياسية .  أمّا و إن تسلّحت الثورة فلا أعتقد ُ بأنّ هناك من سيحاول ُ أصلا ً سواء من الشعوب أو الدول ! فعندما تعرف ُ أنّ هناك إبن ٌ يـُضرب من قبل ِ والده ستحاول جاهدا ً إنقاذه ُ ، أمّا و إن عرفت بأنّ الأب يضرب إبنه ُ كي يمنعه ُ من ذبح أخته أو أمّه ُ فإنك لن تتدخل و هذا بديهي !

دخلت ُ في ازدحام الأفكار و نسيت ُ أن أقول ، مبارك يا أهل اليمن !

بقي في فنجان قهوتي القليل ُ من الفن ، سأسكبه ُ على واحدة من أجمل الظاهرات التي بدأت تنتشر ُ في الفترة الأخيرة ، من دعوات و تجمعات أشبه بالنقابيّة لكتّاب و فنانيين و تشكيليين و ها هي الآن ظاهرة أخرى تعلن ُ مهرجان سوريا الحرّة السينمائي الأوّل الذي يبدأ ُ اليوم و يستمرّ حتى 24 الشهر الجاري.


هناك عدد لا بأس به من الأفلام القصيرة الرائعه في هذا المهرجان حتّى الآن ، استوقفني منها اثنان( ربما لإرتباطهما المباشر بسوريا و الأوضاع الراهنة ) :

الأوّل هو رصاصة للمبدع السوري خالد عبد الواحد ( انتاج 2011 ) :


الثاني هو انتباه للمبدع السوري أكرم آغا ( انتاج 2005 ) :



لمتابعه المزيد من الأفلام في مهرجان سوريا الحرّة السينمائي الأوّل يرجى زيارة الصفحة الخاصة بالمهرجان على الفيس بوك :
مهرجان سوريا الحرّة السينمائي الأوّل

٢٠ كانون الثاني، ٢٠١٢

و هكذا سيبقى العهد.. حتّى آخر معتقل !

 

402610_276685739062226_144315515632583_793093_403434755_n


كانت ، و على مدى أعوام ، قضيّة معتقلي الرأي من إحدى أكثر القضايا التي كتبت ُ عنها في هذه المدونة و اليوم ، إبان تسمية الجمعه لهذا الإسبوع بإسم جمعه معتقلي الثورة ، أشعر أنني أريد ُ أن أملأ الفضاء بالحديث عنهم و لا أعرف من أين أبدأ.

لا أستطيع ُ أن أكتب عن قضيّة المعتقلين بشكل ٍ حياديّ ، فأنا ، بشكل ٍ أو آخر ، أعتبر ُ قضية معتقلي الرأي قضية شخصية حتى و إن لم أكن أعرف ُ عن هؤولاء المعتقلن سوى أسمائهم أو ربما في بعض الحالات أرقامهم ليس أكثر.

على الرغم من أنّ فكرة الإعتقال لم تكن غريبة ً لكنّ أحدا ً لم يكن يتكلّم بها على مدى سنين في سوريا . في منتدى أخوية سوريا ، كانت المرّة الأولى التي حرقت هذه القضيّة أصابعي . كنت ُ في السادسة عشر من العمر ، و على تلك الزاوية من المراهقة تقاطعت الطرق لألتقي بهم ، أوائل المعتقلين ، كانوا مجرّد أسماء وهميّة قرأت ُ كتاباتها -التي لم توهن نفسيتي أبداً - ، كانوا مجموعه من الأحرف ليس أكثر ، مجموعه من الأحرف التي أرادوا شنقها بالظلام. هناك كانت أوّل مرّة أتقاسم ُ المكان مع شخص ٍ ما عاد يملأ من المكان سوى ذاكرة و قبو و ظلمة تدعى المعتقل . و منذ ُ ذلك الحين و حتى هذه اللحظه ، مازلت ُ غير قادرة على فهم فكرة الإعتقال !

فهؤلاء المعتقلين ، السابقيين و الحاليين ، ما قبل الثورة و ما بعدها ، هم الشهود الحق على الجريمة ، هم الذين لم يرحلوا مع الشهداء و لم يبقوا معنا ، خطّ الوصل الذي يشدّ النظام به على رقابنا و يشدّ على رقابهم بنا، ولكن هيهات أن نقطع هذا الخط . فالمعتقلين ، جميعا ً ، لنا . سيعودون إلينا و إلى هذه الفسحة من الأرض التي تنتظرهم لتغسل عنهم كلّ الألم و تشكرهم ، سوريا بإنتظاركم !


يقول بعض المتبحرين في العلوم الفلسفية في الشرق أنّ كلّ شيء في الحياة يفضي إلى دائرة . كلّ الأشياء تنتهي دائما ً بالمكان الذي بدأت منه ُ . هذه الثورة بدأت من أجل المعتقلين ، سواء اعتقال أطفال درعا أو أعتصام أهالي المعتقلين في دمشق ، و نحن ُ إذ نتظاهر و نكتب و نغنّي و نرسم و نصوّر  لأجلهم اليوم ، أرغب ُ بالإيمان حقّا ً بنظرية “ الحياة دائرة”  و أتمنى فعلا ً أن نصل إليهم و نغني و نحتفل معاً بأقرب وقت و من ثمّ نعلن ُ كلّ المعتقلات متاحف للثورة. فأنا و معي كــُثر ٌ نحلم بأننا في يوم من الأيام سنستطيع ُ في سوريا أن نزور كلّ المعتقلات بعد أن تصبح متاحف و مراسم يشترط بكلّ من يدخل عليها أن يؤدي القسم أنه ُ لن يكرر التاريخ.

أخيرا ً ، “مافي حبوس تساع كلّ الناس .. بيعتقلوا كتير ، و بيبقت كتير و باللي بيبقوا رح بنكمّل ! “


، هكذا كان العهد ، و هكذا سيبقى .. حتّى آخر معتقل !



مصدر الصورة ( اللوحة ) أعلاه

١٧ كانون الثاني، ٢٠١٢

عشرة أخطاء للثورة في عشرة أشهر !


1. اسقاط النظام غاية أم وسيلة ؟ :
بداية ً ، بالنسبة للكثيرين ( و أنا منهم ) كانت فكرة إسقاط النظام ( حتى قبل الثورة ) هو الوسيلة للوصول بسوريا إلى مكانة أفضل و فتح آفاق جديدة للسوريين كي يبدعوا و ينجزوا و يبنوا سوريا على أفضل صورة ممكنة لأنّ النظام و فساده ُ هو ما يؤخر ذلك. أمّا و قد أصبح َ ، سواء ً لكثرة الدم الذي أراقه ُ النظام (إن كان في هذه الفترة أو في الثمانينيات أو لأسباب أخرى أكثر ثانويّة منها سيطرة بعض الحاقدين على الخطاب الثوريّ) ، أصبح َ إسقاط النظام هو غاية و لم يعد مجرّد وسيلة بالنسبة للكثير من الثوار. أصبح “إسقاط النظام” هو الإنتصار بحدّ ذاته في حين أنه ُ وحده لن يقدم شيئا ً ما لم تتبعه ُ مرحلة انتقالية بأهداف نبيلة و سلمية . و إذا رضينا بالتسليم ، جدلا ً ، بعكس هذه الأهداف النبيلة و السلمية و الأخلاقيّة في سبيل إسقاطه فلن نكون قد استفدنا شيئا ً . تبديل الطاغية بطاغية و الدكتاتور بدكتاور ليس انتصارا ً ، بشار الأسد ليس َ إلّا شخصاً ، رقماً من الأرقام في لائحة الدكتاتوريين ، و أن يصبح هذا الشخص الواحد هدف الثورة جمعاء ، أن يستحقّ هذا الشخص الواحد أرواح َ كلّ الشهداء الذين ماتوا ، أن تنقلب المعادلة هكذا ، هذا أمر ٌ مخجل بحقّ الثورة و بحقّ الشهداء و السوريين و أهم من كل ذلك بحقّ سوريا الوطن.

2. طائفيّة الخطاب الثوريّ :
مع بداية رمضان و مع وحشيّة ما قام به النظام من قتل ٍ و تدمير في كثير من المدن على رأسها حماه التي اقتحمها عشيّة أول أيّام رمضان ، بدأ الخطاب الديني يشدّ غالبية الثوار إليه ، و يحرّك مشاعرهم الدينية مع مشاعرهم الثورية. ربما لم يكن مخطط للأمر كي يكون على هذه الصورة و لكنّ غياب أيّ مكان للتجمّع و غياب أي خطاب  عدا الخطاب الديني جعل َ من المشاعر الدينية و الثورية واحدة ، بشكل ٍ أو بآخر ، مما بدأ ينحو بالثورة بالإتجاه الديني . الدين هو حالة روحية قد تكون رائعه و لكنها تظلم و تنظلم عندما تـُسلّم مهام قيادة ثورة أو بلد. الدين مشاعر و المشاعر ظالمة و لا تسمح للمنطق بالقيادة - يمكن قياس ذلك على شخص ٍ عاديّ و كيف يمكن أن يتصرّف حيال من يقترب ُ ممن شيء يحبّه  و كيف يمكن لشخضٍ غريب أن يتصرّف حيال نفس الموقف بمشاعره المحايده و ليست مباشرة ؛ المشاعر تظلم شئنا أم أبينا الإعتراف بهذا و الدين هو مشاعر و عواطف و سيظلم دون أن يرى تابعه ُ ذلك مثله ُ كمثل أيّة مشاعر أخرى تسيطر على البشر.
لا أنفي أنّ ما لاقاه ُ الشارع السوري من خذلان من أقرب و أغرب الذين َ كان يعتمد ُ عليهم للوقوف بجانبه ، يدٌ بالإنجراف وراء الخطاب الطيني الذي من نتائجه يأتي هذا هو الإنطواء الواسع للكثير من الثوار تحت َ المظلّة الدينية أولا ً و ربما الطائفيّة ثانيا ً ، لأنّ الإنسان يشعر بالأمان ضمن الجماعة و كلّما ضاقت الجماعة كلّما زاد الأمان . تختلف ُ هذه “ الجماعة “ بإختلاف الشخص و أفكاره و هي في أغلب الحالات تنطلق من العائلة إلى الأصدقاء و من ثمّ تتفرّع حسب أولويات الأشخاص .و عندما لم يكن طوال أشهر ( و أعوام من قبلها في ظلّ النظام ) هناك َ أيّ جماعة يشعر الإنسان السوري ضمنها بالأمان سوى الجماعة الدينية كان من الأسهل جرّ الثورة إليها ( و هذا يخدم النظام ليركب َ عليها بعضا ً من نظرياته ) فظهر أشخاص كالعرعور  طائفيون ، همجيون ليخاطبوا الشعب بإسم الدين الذي بات صوته ُ أعلى و معه بات َ صوتهم مسموعا ً في حين أنهم في الأحوال العادية قد لا يكون لهم نصيب من أذن الشارع السوريّ. 

3.خطاب الثورة للفئة الصامتة :
مع الأخذ بالعين الإعتبار النقطه السابقة ، لا أستغرب وجود فئة كبيرة من الشعب السوري تجد نفسها في الصمت ، فهي واقعه بين النظام الشرس الذي لا يرحم و الثورة ، التي بدورها لا ترحمهم و تثقلهم بصمتهم فهي ما برحت تشير ُ بإصبعها عليهم و تحملهم مسؤوليات و غيرها. صديقتي التونسيّة كانت تسألني كلّما دار الحديث حول الأوضاع في سوريا “ لماذا تركز الثورة السورية جهودها ضد الشعب ( الفئة الصامتة ) ؟ ".
ماذا قدمت الثورة للفئة الصامتة ( الخائفة ) منذ ُ بداية الثورة و حتّى الآن ؟ ماذا قدمت الثورة لهم سوى المزيد و المزيد من اللوم و العتب ؟ ماذا فعل الثوار كي يـُطمئنوا هذه الفئة و يدفعون بها كي تكون جزئا ً من الحراك سوى رفع الأصابع في وجههم و التأشير عليهم و شتمهم باللاإنسانية و الـ “ مافي ناموس “ ؟ ماذا فعلت الثورة مع اللأقليات التي أرعبتها المظاهر الدينية و بعض الحالات الفردية الطائفية من أو ظلم ٍ أو إنتقام حاقد ؟ هل تقرّبت الثورة من هذه الفئات بابتسامة الأمّ المحب أم بعبوس الإستاذ الذي لن يتردد عن رفع عصاه ُ في وجههم و التهديد و الوعيد و العقاب ؟

4. صفحة الثورة :
صفحة الثورة و منذ ُ البداية كانت ذات توجه ٍ حاقد النبرة ، موجهة ضدّ بشار الأسد نفسه ُ ، تخاطب النظام بلهجته ُ و لا تتوانى عن السب و الشتم في كلّ من يعارض ُ طروحاتها.
مع العلم أنه ُ إذا كنّا أكثر شفافية بالطرح فإن صفحة الثورة ليست هي من أطلق َ الحراك في سوريا ، إنما من ركبه ُ و شدّه إلى جوادها ضمن ازدحام الصهيل . في 17 شباط كانت حادثة الحريقة ، و من ثمّ في 14 آذار كان من المقرر لأهالي المعتقلين الإجتماع أمام مبنى الداخلية للمطالبة بالمعتقلين و اعتقل في يومها ( أي 14 آذار ) عدد من المعتصمين مما حرّك الغضب في نفوس البعض للخروج يوم 15 بالتزامن مع دعوة من صفحة الثورة و ليس َ لأنّ صفحة الثورة أوعظت بذلك و حسب، و حتّى بعد ذلك لم تكن للثورة أن تشتعل حقّا ً لو لم يكتب الأطفال في درعا ما كتبوا من عدوى الشعارات الثورية و تهبّ درعا كي تؤكد أنّ “ الشعب السوري ما بينزل” !
مع ذلك فلا مشكلة ( بل من المرحب به )  أن يكون هنا تجمّع منظم لشعارات و أخبار الثورة في صفحة الثورة ( و ليس صفحة الثورة ضد بشار ! ) إلّا أن التوجه الذي اتبعته ُ صفحة الثورة التي نصّبت نفسها “دكتاتور الثورة “ الذي لا يسمح لأحد ٍ يختلف معها في الرأي بالتعبير عن رأيه ِ !

5. عمليات الجيش السوري الحر :
بعد أشهر من الموت و الموت فقط تحت َ بند السلمية الذي رفعه ُ الشارع في سوريا على مدى أشهر ، كان الشعب بحاجة لمن يحميه و يدافع عنه ُ، لمن يشعربالأمان لوجوده أو ذكر إسمه، فكان الجيش السوري الحر الذي شكلته ُ العناصر و القوات المسلحة المنشقة عن الجيش الرسمي للبلاد بعد َ أن نصّب الأخير نفسه ُ ( أو نصبه ُ النظام الفاسد ) جيشا ً يدافع عن الأسد و نظامه . الجيش السوري الحر ، فكرة ربما لا تكون إيجابية أو مفيدة للثورة بالصورة العامة لكنها يمكن ُ أن تكون مقبولة نوعا ً فهي أفضل من تسلّح المدنيين و التخلي عن سلمية المظاهرات . المشكلة الحقيقية وقعت عندما بدأ الجيش السوري الحر يقوم بتبني عمليات تستهدف الجيش العام أو مراكز تابعه للنظام بإسم الثورة و الجيش الذي ارتبط إسمه ُ بالثورة . فالدفاع عن النفس و الشعب يختلف ُ كثيرا ً عن الهجوم ، و القبول بهذا ( لو جدلا ً ) يـُضرّ بالثورة و ثوارها و مبادئها.

6. الخلاف بين َ فئات المعارضة :
و أعني بفئات المعارضة بشكل خاص هيئة التنسيق و المجلس الوطني . إنّ كلّ من الجهتين المذكورتين يتصارع باللهث وراء الشارع السوري ( الذي أثبت أنه ُ أكثر وعيا ً من كليهما ) و لكن شئنا أم أبينا فإنّ الثورة بحاجة لفكر ٍ سياسيّ يقودها . و أجد ُ إنه ُ من المؤسف جدّا ً أن معارضي الداخل المتمثلين بفنانيين و كتاب و صحفيين و مفكرين هم أكثر نزاهة و ثورة من المعارضة الخارجية المتمثلة بالسياسيين.
تمّ تشكيل المجلس الوطني و رفع َ الشعب اللافتات التي تحمّله مسؤولية تمثيله ُ ( المجلس الوطني يمثلني ) و التي يبدو أن المجلس الوطني فهما على أنها تكريمٌ و تمجيدٌ  له و لشخصياته و لم يتحمّل المسؤولية الحقيقة التي كان يتمنى منه ُ الشعب أن يحملها. فحتى لحظه كتابة هذا البند و المجلس الوطني مازال يتخبط ليس َ فقط بحواراته الداخلية بين أشخاصه و بما يصرّح به أعضاؤه على شاشات الفضائيات إنما بما يعلنه و يصرّح به ثم يتراجع عنه  أيضا ً  حتّى  أصبح َ نكتة بين كثير من الأوساط لكثرة تقلباته .

7. اتباع سياسة النظام نفسه ُ للقضاء على النظام :
العديد من وسائل النظام لم تكن غريبة على الثورة على طوال العشرة أشهر ( الهمجيّة ، تبجيل الأشخاص ، الضغط ، الترهيب و العنف و غيرها من أساليب النظام ) ، ربما أنها كانت نادرة في بعض المناطق و الأوقات و أكثر شيوعا ً في بعض المناطق و الأوقات الأخرى و لكنها في جميع أوقات تواجدها كانت ضارة بالثورة . نحن ُ شعب ربينا في ظلّ نظام ٍ قمعيّ جدا ً ، و في شرقٍ إجتماعيّ قمعيّ أيضا ً ، مــُرس بحقنا القمع و الضغط النفسي منذ ُ الولادة ب  قدر مافي الهواء من ضغط ٍ لا نشعر ُ به لأنّه الحالة الطبيعية للتنفس ، و كذلك الأمر بالضغط النفسي القمعي الهمجي و التعلّق بشخصيّة ٍ و تبجيلها ، لكنّ أليس َ هذا ما نثور عليه يا أصدقاء ؟ أليس َ ما نثور من أجله هو التخلص من هذا الضغط و هذا القمع و هذا التبجيل و هذا العنف و هذا الذلّ و هذا الخوف ؟

8. مصداقية الثورة :
وقعت الثورة في أكثر من مصيدة نصبها لها النظام في مصداقيتها. لكن هذا لا ينفي أنّ عدد من الذين يستغلون الثورة  لصالحهم أو لصالح النظام أو جهات معينة أخرى لم يوفروا في الطعن في مصداقية الثورة عن طريق إطلاق الشائعات التي قام البعض بتناقلها عن ثورة قلب و حرقة . الكثير من ثوار الإنترنت يتناقلون الأخبار دون الرجوع إلى مصدر ٍ موثوق - لندرة وجود مصدر موثوق في كثير من الأحيان - ، لكن هذا لا يمنع بأنه ُ و بعد عشرة أشهر أصبح كلّ منا لديه عدد من الأشخاص الذين يعتبرهم ، بشكل ٍ أو بآخر ، مصدرا ً موثوقا ً يمكن ُ الرجوع إليه للتأكد من مصداقية الأخبار قبل تداولها.

9. المقارنة بالثورات الأخرى و الإحباط:
كثير جدّا ما نسمع أحدهم يقارن وضع الثورة في سوريا بوضع ثورات أخرى سبقتها (عن طيب نيّة أو محاولة للتفكير و الوصول لأفضل الطرق للتخلص من النظام و اسقاطه)  . فيقول قائل أن النظام في سوريا لن يسقط سلميا ً و يستشهد ُ بوضع ليبيا التي ، و حسب رأيه ، ما كانت لتستطيع التخلص من القذافي لولا التدخل الدولي ! و يضيف ُ بأنّ الجيش في سوريا يختلف عن باقي البلدان و هو أشبه بالجيش الليبي الذي قتل المدنيين للدفاع عن القذافي . و يقول آخر أن الوضع في سوريا يدخل في الشهر العاشر بينما تحتفل ُ تونس بعام ٍ على هروب بن علي الذي لم يستغر غير شهر ٍ واحد بالتقريب و و و .. في حين أن هذا الكلام محبط جدّا ً . الشعب السوري شعب ٌ رائع بكل المقاييس ، تحمّل على مدى ما يقارب النصف قرن الكثير حتّى ما عادت الشمس ُ تعرف ُ ماذا تحت تلك الجباه التي هي الاخرى تحرقها بأشعتها . و دعوني أذكر بأنّ ثورة الشعب في سوريا كانت من معجزات الثورات في التاريخ ، كبرت ُ في سوريا و أنا أؤمن بأنّ خلف َ كلّ باب أو نافذة يقف ُ رجل ُ أمن ، و الشعب السوريّ الذي من عمره سبع سنوات في صفّ الأوّل ينتسب إلى ما يسمّى طلائع البعث قبل أن يتعلّم القراءة ، الشعب السوري كلّه عاش َ ينظر ُ من النوافذ قبل قراءة برج الأسد ، لهذا كلّه و لأسباب أكثر بكثير فإنّ هذه الثورة معجزة مباركه و مقارنتها بأيّ شيء آخر هو ظلم للثورة و لثوارها و شهدائها ، لكلّ دولة ٍ و لكل شعب حالته ُ الخاصة و سوريا لها حالتها الخاصة و شعبها الخاص جدّا ً و الرائع جدا ً و لذلك هي لها ثورتها الخاصة جدا و التي ستنتصر ُ بخصوصيتها.

10. انعدام النقد و غض النظر :
أخيرا ً أعتقد أنّ الخطأ الأكبر دائما ً هو الصمت عن كلّ ما سبق و رؤية الأخطاء و التغاضي عنها تحت َ مسمى الصفّ الواحد . فهذا الرخاء هو أوّل الفساد و نحن ُ لا نريد ُ لثورتنا أن تفسد يوما ً لذا سننتقد و ننتقد . عدم النقد جريمة بحقّ الثورة و هي جريمة مـُرست من قبل الكثيرين ( و أنا منهم ) عن تضحية و رغبة بتوحيد الكلمه ضد فاشيه النظام ، فعلى الرغم من أخطاء صفحة الثورة الكثيرة من تسمية الجمع إلى الإسلوب الإقصائي و غيره ُ مما تمارسه ُ هذه الصفحة و القائمين عليها لم يكن من المسموح نقدها أو نقد العديد من التصرفات الطائفيّة أو الهمجية التي تحصل في الشارع ( كحمل السلاح و الخطف و الترويع و العمليات التي يقوم بها الجيش الحر و غيرها كثير ) ، كلّ ذلك تحت عنوان ٍ عريض من “وحدة الصفّ “ و لكي لا تتفرق صفوف المعارضة في هذه المرحلة المحرجة . فأصبحت هذه الجماعات تعتبر ُ نفسها ( و يعتبرها الشارع ) كالنظام ، مرفوعه عن النقد و بالتالي معصومة عن الخطأ ، و عندما يصبح الجو العام المحيط هو جوّ من المدح و التصفيق حتى لمن يمارس الشتم و التهديد أو الضرب و إلغاء الآخر نكون قد بدأ الفساد يأكل ُ الدرجة الأولى من السلّم. لذا سننقد و سنتكلم و لن نسكت عن أيّ خطأ أو عنف يمارسه ُ سوري ( ثائر كان أم شبيح ) بحقّ سوري ّ آخر ، فالثورة لسوريا و شعبها بجميع أطيافه و ملله و آرائه ، الثورة لسوريا و للإنسان في سوريا قبل أيّ شيء !

٩ كانون الثاني، ٢٠١٢

بين الساعة الثانية عشر و ساعة الصفر



زين العابدين بن علي في السعودية ، حسني مبارك في السجن ، القذافي جثّة تحت الثرى ، علي عبد الله صالح ، اخر الساقطين ، سيتحسس ُ بقيّة عمره آثار الطغيان عندما يواجه الثورة على وجهه ، هكذا أعلنت 2011 نهايتها ، يردد ُ كـُثر ” من كان يتوقع كلّ هذا في عام ٍ بدأته ُ البلدان العربية و شعوبها بشكل ٍ إعتياديّ و احتفالات ٍ اعتياديّة السطحيّ منها و العميق بسنة ٍ جديدة ٍ ليس َ إلّا ” و فعلا ً ، من كان يتوقع ؟
مرت منذ ُ أيام ٍ الذكرى السنوية الأولى لإحراق البوعزيزي نفسه ُ ، يراودني شيء من الرومنسية عندما أتحدث ُ عن الأمر أمام أحد الأجانب . الرومنسية التي تؤكد أن الواقع أكثر خيالا ً من الخيال نفسه ، رومنسية الثورات ، ربما .  شخص يحرق نفسه احتجاجا ً على مصادرة عربة الخضار التي كانت دخله الوحيد بسبب حالة البطالة التي تعاني منها البلد و طريقة المعاملة التي تلقاها في محاولة استعادة عربته . شرطيّة تصفعه ُ فيحرق نفسه ُ عندما تتساوى الحياة و الموت بين يديه ، يحرق نفسه ُ و يمضي غير آبه ٍ بالموت معلنا ً التحدي قائلا ً كلمته ُ و صافعا ً الشعوب كافة ً على وجهها قائلا ً بفعلته هذه أنّ مصير أيّ واحد منكم لن يختلف عن مصيري و أنني أكبر كرامة ً و جوعا ً من أن أكون شريكا ً في هذه الحياة .
أفكر ُ أحيانا ً ، هل يمكن أعتبار البوعزيزي ضحيّة الشعوب نفسها قبل َ أن يكون ضحيّة الأنظمة الفاسدة ؟ لا أعرف وهو على أغلب الظن ليس َ كذلك تماما ً . يموت ُ في كلّ يوم ٍ العشرات والعشرات من البوعزيزيين الذين يخرجون من بيوتهم صباحا ً حاملين معهم من الموت كحِملهم من الحياة ، يواجهون من الوحشيّة و الظلم و الطغيان ما يحرق كلّ شيء فيهم و يعيدهم إلى أهلهم  وأصدقائهم جثّثا ً تشبه شكلا ً ما عرفوه و لا تعرف ُ من يشبهها .  “يخرجون إلى حتفهم باسمين “ في تأكيد على تساوي كلّ شيء ، الفرح و الموت، و الموت و الحزن ..
البوعزيزي احترق َ و أعلن بإحتراقه اشعال الفتيل الذي بدأ بإحراق الأنظمة الفاسدة واحد تلو الآخر طوال عام ٍ من أكثر الأعوام التي تعتبر أنها مغيّرة للتاريخ عربيا ً أو حتى عالميا ً ، بشكل ٍ مباشر أو غير مباشر .
بقي على الساحة العربية حاليا ً كلَ من الثورة السورية و البحرينية اللتان  تنتظران اسقاط الأنظمه فيهما  قبل َ أن تبداأ رحلة الإصلاح الأكبر . البحرين التي أعتبر، بشكل ٍ شخصي ّ، أنها الأصعب و الأطول مشوارا ً لأسباب يطول شرحها – أهمّها الإهمال الإعلامي و التكاتف الملكي – الخليجي ضدها – . أمّا الثور السورية فهنا تبدأ قصّة مملكة الصمت التي نطقت كالموت الذي يحيا .
أذكر ُ جيّدا ً أنه ُ عندما بدأت الإحتجاجات في تونس ، انتشرت عبارة على الشبكات الإجتماعيّة قالت “ أنا سوري ، أنا تونسي “ عندها كان الحلم أصغر ، و لكن مع ذلك أذكر محاولة بعض الأصدقاء و النشطاء في القيام بالتحدي الأوّل و تنظيم وقفات تضامنيّة مع الشعب التونسي و من ثمّ المصري و أخيرا ً الليبي في دمشق . في الوقفة التضامنيّة مع الشعب الليبي ، الذي كان واضحا ً أكثر من كلّ شيء فيها ، هو مستوى التحدي و الشعارات التي كانت ببساطه تتبع مبدأ “ الحكي إلك يا كنّة اسمعي يا جارة “ ، هناك َ صدح ً شعار “ خاين اللي بيقتل شعبه “ ، إلّا أن المفارقة الحقيقية و النقطه التي عرفت ُ عندها أنّ لا عودة فعلا ً و أن سوريا و الشعب السوري على طريق الحريّة و أنهم يتحسسون نبض بعضهم البعض كجريح ٍ يتأكد ُ بأنّ صديقه ُ مازال يتنفس كي يتابع مجاهدا ً محاولة الحياة . ثمّ كانت حادثة الحريقة في 17 شباط عندما تجمّعت الناس في سوق الحريقة و هتفت جمعاء : “ الشعب السوري ما بينذل ! “  ردا ً على اهانة لمواطن ٍ سوري من قبل شرطيّ ، أذكر ُ جيّدا ً أنه عندما حضر وزير الداخلية وبدأ بعض الخوف يدغدغ ُ بعض القلوب فبدأت تهتف بشعارات ٍ تحية للأسد ، لم يكن هناك ردّ فعلي ّ من الجموع ، كانت أصوات وحيدة ليس إلّا .. في هذه اللحظه تماماً ، تأكدت ُ من أنّ لقب مملكة الصمت في سوريا قد انتهى .
تتابعت الأحداث و ها نحن ُ اليوم نحتفل ُ برأس السنة الجديدة بمزيد من الشهداء و مزيد من الخلاف بين صفوف المعارضة السورية ، التي و برأي الشخصي َ ، خذلت الشارع مرارا ً ، و قد يصح القول أنها خذلت الشارع بقدر ما كان النظام يتمنى منها أن تفعل. المعارضة السورية هي إبنة الوضع الذي فرضه النظام في سوريا على مدى ما يقارب النصف قرن ، ليس أنها من رجالاته ، بل أنها لم تعرف طريقا ً للقيادة إلّا طريقة النظام و لم تعرف طريقا ً للتواصل فيما بينها إلّا بما اعتادت عليه السياسة السورية في ظلّ النظام. هكذا كبرت و هكذا ناضلت ، ربما أنها لم تتوقع يوما ً أنها ستصل إلى يوم ٍ كاليوم و أنه سيتعلق على عاتقها مسؤوليات كهذه . تذكرني المعارضة أحيانا ً بالأطفال الذين َ ينقدون تصرفات أهلهم معهم على مدى أعوام ٍ و هم يكبرون ، ثم ّ و عندما يصبحون هم نفسهم آباء يمارسون نفس العادات على أبنائهم ، ببساطة لأنهم لا يعرفون طريقة أخرى و لم يتعودوا على طريقة اخرى . المحزن في الموضوع ليس َ أنها كذلك و حسب ، بل أنها لا تحاول غير ذلك ، لا تثور على نفسها و القواعد و الأسس التي وضعها نظام فاسد و سار عليها على مدى أعوام و جرّنا جميعا ً للسير معه على قوانينه . أنا اليوم لا أجد ُ فارقا ً حقيقيا ً بين المعارضة السورية و النظام ، كمؤسسات و منظمات و تجمعات سياسية ، ربما أكون ُ قاسية ً بعض الشيء بحقّ المعارضة ( و في كل مرة اقول المعارضة اعني فيها المعارضة كجماعات و ليس كأفراد إذ أن الحديث سيختلف عند التطرق للأشخاص ) و لكن كمواطنة سورية أمتلك بعض المخاوف التي خلفتها طرق المعارضة في معالجة الأوضاع و حماية الشعب قبل حماية مصالحها  و هذا جمّ ما أخشاه عندما أراقب الخلافات الداخلية بين أفراد المعارضة ، أن لا تثور المعارضة على نفسها و ألّا تتغيير و أن يضطر الشارع السوري لأن يثور مجددا ً على المعارضة  كما ثار على النظام قبل أن يضع أولى خطواته في الطريق نحو البلد التي يحلم بها آلاف و ملايين من السوريين .
لا أخفي أننا و إذ ندخل ُ في عام ٍ جديد ٍ تزداد مخاوفي حول توجه الثورة في سوريا ، مازالت ثقتي في الشعب الذي أثبت مرارا ً أنه ُ أكثر وعيا ً من أيّ سياسيّ ، معارض أو موال ٍ يجلس ُ على كرسيّ ليطلق َ الكلام و الأفكار ، مازالت ثقتي بهذا الشعب الرائع عالية جدّا ً ، لكن مخاوفي هي في أن  يُقاد هذا الشعب في طريق ٍ يضطر فيه العودة لاحقا ً ، أن يجد نفسه كالغريق الذي يترك ُ وحيدا ً في عرض البحر ساعات و أيّام حتى يصبح الحوت الذي قد يأكله ُ بعد أن يصل به إلى الشاطئ ، صديقا ً و منقذا ً . فالشعب في سوريا عاش َ أعواما ً دون أيّ وعي ّ سياسي و سيكون من السهل خداعه ُ سياسيا ً مرارا ً قبل َ أن يتمكن من أن يكتشف سياسييه الجدد ، لكنني متفائلة !
 ثورة السورية بدأت بأروع ما يمكن لثورة أن تبدأ ، سواء باعتصام أهالي المعتقلين في دمشق في 14 آذار ، أو في جرأه شباب الحميدية في دمشق في 15 آذار ، و تباعا ً لدرعا و حمص و اللاذقية التي تغلبت على ما حاول النظام أن يزرع فيها من طائفيّة مرورا ً بكل شارع و حيّ و منزل ثار في سوريا . أعود إلى بعض الفيديوهات و أشعر ُ بالفخر الذي أخشى أننا نبتعد ُ عنه ُ أحيانا ً ،  بشكل ٍ خاص عندما بدأت الثورة تتخلى بشكل ٍ جزئيّ عن سلميتها ، و التي دفعها النظام ( و المعارضة ) و بعض اخر من الصامتين عن الموت ، إليها . أنا و إذ أفهم من ينادي بحمل السلاح للتخلص من الوضع الحالي الذي يعيشه ُ من تهديد بالقتل الشخصي أو القتل و الاعتداء و التشويه و التعذيب لأحبابه بشكل ٍ دائم ، إلّا أنني مازلت ُ أجد ُ في النضال السلمي طريقا ً أكثر أمانا ً و إن كان يسألني البعض عندما أقول ذلك إن كان النضال السلمي مازال َ معقولا ً بعد أن أثبت النظام أنه ُ على استعداد لقتل أيّ شيء و التضحية بكلّ شيء في سبيل بقائه و لا أعرف الإجابة الكاملة و المنطقية على ذلك تماما ً.
هناك الكثير للكتابة عنه ُ و لكن كي لا أطيل الحديث أكثر علي ّ أن أقول أنني و إذ تدقّ الساعة الثانية عشر معلنة ً نهاية عام ٍ فاق ً في أحداثه توقعات أكبر المنجمين في العالم ، أحتفظ ُ بتفاؤولي و بأنّ المفاجآت قد تحصل بين ليلة ٍ و ضحاها  قد تقلب كلّ النظريات التي يضعها أيّ و كلّ منّا . الكثير من الدول و الأشخاص و المعارضين و المثقفين و أشهر من كان يتوقع منهم أن يكونوا أوّل قادة لأي حراك في سوريا خذلوا الشارع السوري و لكن الشارع أبقى و أكثر قدرة على المفاجآت من أيّ شيء آخر . لذا أختم بعبارة يسقط كلّ شيء و تحيا الشعوب وحدها فهي ، و فقط هي من تكتب التاريخ !

....

المقالة منشورة ضمن ملف للمدونين السوريين ( بمعظمهم ! ) على صفحات سورية حول العام الذي مرّ كثورة

٨ كانون الأول، ٢٠١١

رزان مرّت من هنا - معطف الممانعه الاحمر -

 

مقالة رائعه عن الصديقة و المدونة و الناشطه المعتقلة منذ يوم الإثنين الماضي رزان غزاوي ، على صفحات مدوّنة جدلية عن موقع صوت النسوة :

Razan_Profile_pic

معطف الممانعة الاحمر

‎‫له أناقته الخاصة، فهو يحمي من التغيير ويدفئ القلوب الخائفة والمرعوبة من إسرائيل، فتسكّنها وتهدئ من روعها. معطف الممانعة يعطيك قوى خاصة، فتستطيع التنظير على الثورة السورية لأيام متواصلة، حتى ولم تكن سوريّاً، ولم تعش هناك ولم تُذل هناك، ولم تقهر هناك. معطف الممانعة يعطيك الصلاحيّة ان تُنظّر على السوريين أنفسهم وتلغي تجاربهم الخاصة وتجارب أجدادهم على الارض. معطف الممانعة يعطيك هذه الجرأة. يعطيك قلب الاسد. تستطيع ان تذهب الى كل الاماكن دون ادنى تردد، المعطف يقي من الرصاص ويليق بكل الفصول والمناخات.”تم اعتقال رزان”. يأتي الخبر، تضع فتاة ما يدها على فمها، ‫”هوريفاينج‫” وتضع معطفها الاحمر عليها وتمشي في حال سبيلها، المعطف يحيل دون الشعور بالذنب او مراجعة الذات‫.‪ ‬

ترتدي معطف الممانعة الاحمر، حين تؤمن بأن الانظمة تحميك من اسرائيل لا الشعوب‫، ترتديه حين ترعبك فكرة الحرية لأي كان، في حق الشعوب في تقرير مصيرها وتحريره بالطرق الناجعة. ترتدي معطف الممانعة الاحمر، اذا كنت تخاف من التغيير ومواجهة الظلم، حين تريد ان يتركك النظام في حالك، يترك لك فلسطين كي تعمل على تحريرها ويعزلها ويعزلك معها. فلسطين يبدأ تحريرها من دمشق ومن بيروت ومن عمان تحديدا، لا من جولان او الجنوب. معطف الممانعة الاحمر يحميك كفرد، فلا تضطر ان تفكر بغيرك، فتفكر بنفسك وموقعك وامتيازاتك ويجعلك تحس بالاختلاف لا ان تكون الاختلاف. معطف الممانعة الاحمر، أنيق ويمنحك شعور بأنك بطل خارق، فهو يوهمك بأن لك قوى خارقة، كأن تعتقد السياسة التي تنادي بها هي اخلاقية اكثر من غيرها، وانك في مأمن من الشبيحة والقوى الامنية. يوهمك المعطف انك خارج النظام، رغم أنّ ارتدائك له، يجعلك أداة له، فتخوّن كما يخوّن هو، وتهدد كما يُهدد هو، واحيانا تَضرِب كما يَضرب هو. ومرات اخرى، تحاول ترطيب الاجواء فتتوسط لدى الشبيحة، بأن يدعو “صديق لك” وشأنه. معطف الممانعة الاحمر، يوهمك انك في الوسط، لكنه لا يخبرك انك في الوسط الاقرب الى الدماء.

كل البنات نجوم، والسوريات قمرهن‪.  ‬
‎١٥٠معتقلة + رزان  في السجون السورية، قد تخرج البعض منهن قبل الأخريات، وقد لا تخرج البعض منهن أبدا. في خروج السوريات تحديدا الى الشارع دليلاً على سعة الثورة لتحمل الم الاكثر وجعا في مجتمعاتنا الذكورية، ان يتقبّل الأب والأخ والصديق والزوج منهم حريّتها كجزء  مكمّل لحريته، كأن يعيد التفكير البعض منهم، ولو بعجقة الثورة والاحداث، بحرية الانثى/المرأة السورية، وضرورة مشاركتها في تحرير ذاتها كمواطن اولاً وكجسد ثانياً‪.‬

‎لا أدري كيف يشعر الناس حين يختفي اولادهنّ، لكني اعرف كيف اشعر في ظل اعتقال رزان. الخوف وحده سيد الموقف. الخوف على صديقة رأيتها تخوض تجربتها السياسيّة في بيروت وتتعلم من أخطائها. على عكس الكثيرات منّا، تُجاهر رزان في اخطائها وتفخر في قدرتها على ذلك وهذا بالتحديد مصدر قوّتها الشخصية. إعتقال رزان وصديقاتها يمس العديدات منا في القلب. اولاً لاننا لم نجعل من بيروت مكان آمن لهم ولنا في طبيعة الحال، ولم نستطيع في نفس الوقت ان نكون اقرب لما يحصل في سوريا‪. ‬

إنّ خبر اعتقال رزان، بالنسبة للاصدقاء في بيروت، يجب أن يتحوّل، من خبر إلى دعوة لأولئك الذين ‫”يتمنّعون‫” عن المطالبة في اطلاق سراحها بالتفكير مليا فيما يجري، في الباحة الخلفية لبلدهم، ما يجري في عكار وسوريا‫. حقيقة الامر، وبالرغم من خوفي الشديد على سلامة رزان وأمانها، أوّد ان يكون خبر إعتقالها فرصة للافراد الممانعين، في صون حرياتهم وحريات غيرهم، في غسل ايديهم الملطخة بدماء النظام‫. فمن يريد تحرير فلسطين، عليه أن يعلم أنّ طريق فلسطين تبدأ في تحرير رزان وغيرها من المعتقلات والسجون السورية، ان يرى اليافطة الكبيرةعلى طريق العودة الى فلسطين : رزان مرّت من هنا.


الصورة : رزان غزاوي في مؤتمر التدوين في تونس 2011 بعدسة هديل زعتوري