يخطئ العديد من شباب اليوم بالتعبير عن توجهاتهم الدينية بإطلاق صفه الإلحاد عليها دون أن يعرفوا تماما ً إن كانت هذه الصفة تناسبه حقّا ً أو لا ، و لا أعني بذلك أن ّ الملحد أو الإلحاد بصورة عامة هو شيئ مشيم أو معيب أو صفة غير محببة ، إنما ما أحاول الإشارة إليه هنا هو محاولة “ إعادة تصنيف “ ، إذا صح التعبير ، لفكرة الإلحاد و الفرق بينها و بين العلمانية.
فالكثير من شباب اليوم يردد بأنه ملحد و يعني بقوله أنه علماني و العكس صحيح ، فما الفرق بين أن تكون علماني أو ملحد ؟
الملحد هو صفة تطلق على الشخص الذي يرفض فكرة التصديق بالذات الإلهية المغيبة لأنها مغيبة و غير مثبتة . لا يعتبر الإلحاد حركة ضد الأديان أو الذات الإلهية إنما يدخل في نطاق رد الفعل على النظرية الإلهية التي تؤمن بالغيب بينما يؤمن الملحد بالوقائع الملموسة و يرفض الغيبية و لا يهاجمها.
بمعنى آخر فإن ّ الإلحاد لا يقتضي أو يعني مهاجمة الذات الإلهية لأنّ الملحد لا يؤمن بها أصلا ً فكيف يهاجم ما لا يؤمن به ؟ وعلى سبيل المثال لا يمكن لأحد ان يقاتل عدوّا ً ما لم يؤمن بوجود هذا العدو ، كما لا يمكن لأحد أن يسرق مـِـن مـَن لا يمتلك شيئا ً يـُـسرق و بمثال أقل ّ تعقيدا ً لا يمكن لأحد ٍ أن يهدم حائط لا يعرف و يدرك و يؤمن تماما ً بوجود هذا الحائط . و بذا يمكننا القول أنه لا يمكن لشخص ما أن يكون ملحدا ً ويهاجم الله في آن معا ً فالإلحاد هو بعد فلسفي ّ لا يهاجم أو يشجع الذات الإلهية أنما يرفض فكرة الإيمان المطلق بها حتّى يــُـثبت العكس ، فلو إستطاع الملحد أن يرى شيئا ً ملموسا ً يدل ّ على وجود إله ما يتحكم بمسيرة الكون لزالت فكرة الإلحاد و إنتهت عن بكرة أبيها. وهذا أيضا ً غير معقول و غير منطقي بالنسبة للأديان التي تعتبر فكرة الدين قائمة على فكرة الإيمان و التصديق بالإله دون الحاجة إلى ماديات ملموسة تؤكد وجوده ، و من هنا تأتي النديّة و المنافسة بين المتدينين و المحلدين .و هنا أستطرد لأقول أن ّ الإلحاد بريئ من عدد من الأشخاص الذين ، و في محاولة لإثبات الذات و لفت النظر ، يطلقون عبارات تشتم أو تهاجم أو تسخر من الذات الإلهية تحت ذريعه الإلحاد و للأسف فإن ّ عدد كبير من هذا الشباب لا يعرف من الإلحاد إلّا تلك الجمل و العبارات التي باتت منتشرة و تردد دون تفكير.
و قبل الإنتقال إلى الحديث عن العلمانية أودّ التطرّق أيضا ً إلى مجموعه أخرى الاحظ وجودها مؤخرا ً و هي مجموعه ( غير منظمه ) لكن جميع أفرادها يدخلون في واعة واحده و هي” الإنتقام “ من الذات الإلهية عن طريق الإلحاد. و سأشرح هذه الحالة عن طريق مثال من محض الخيال :
" س " شخص ٌ مؤمن ، قد لا يكون متدينا ً لكنـّه يؤمن بوجود إله خالق لهذا الكون يتضرّع إليه عند الحاجة و يناجيه ليطلب أمرا ً .
توفي والد " س " فجأه دون سابق تنبيه أو توقع للحدث . و أصيبت والدته بعد فترة ٍ بمرض يستهلك علاجها كل ّ ما تملك الأسرة من إرث .
يتضرع “ س “ إلى الله طالبا ً منه العون و عندما لا تحدث المعجزة التي يتوقعها “ س “ يدخل في حالة “ الإنتقام “ من الإله و نفي وجوده لعدم مساندته له في محنته .
و كثيرون يمرضون أو يكتشفون عطبا ً ما في جسدهم فيدخلون في ذات المناورة مع الذات الإلهية . و هذه الحالات أيضا ً جميعها لا تدخل ( برأي الشخصي ) ضمن بوتقعه الإلحاد الواسعه فهي حالات نفسية تطلب المساعده من الذات الإلهية بطريقة استفزازيّة ناتجه عن صدمة أو ألم أو شعور داخلي ما ، تزول هذه الحالة و تعود الأمور لمجاريها إذا ما زال السبب الناتج عن الصدمه أو الحالة النفسية ( في حال كان زواله ممكنا ً بكل تأكيد ).
و للتذكير فإن ّ الإلحاد هو حركه بدأت في مطلع القرن الثامن عشر بدعم من فلاسفة و علماء تلك الحقبة الذين بدأوا يجدون تفسيرات علمية لكثير من النظريات التي كانت تـُـفسـّر بطرق دينية إعجازيّة . إذ اعتبر كارل ماركس الدين أفيون الشعوب اللذي يجعل منهم شعبا ً كسولا ً يلجأ كلّ ما لا يجد ُ له تفسيرا ً إلى الدين و هذا يجعله غير مؤمن بالإنسان و قدرته على الإكتشاف و تغير الواقع . و أطلق فكرة أوسع عندما ربط بين البورجوزازية و الدين الذي يتم عن طريقه سحق الفقراء من الشعب لصالح الأغنياء منه .
أمـّا العلمانيّة فهي حركة تهتم بفصل الدين عن الدولة و لا تنفي أو تؤيّد أو تهتم بمناقشة منطقية وجود ذات إلهية مغيبة من عدمه فهي تعطي لكل ّ ٍ حرية الإيمان بأي ّ مما يؤمنون به على ألّا يحكم ذلك الإيمان في الدولة و قوانين الدولة.
فعندما تكون علمانيا ً لا ينفي ذلك كونك مسلم أو مسيحي أو بوذي أو بهائي ّ او غيرها فيمكن للمرء أن يكون علمانيا ً و مسلما ً في آن معا ً و لا تنفي أحداهن ّ الأخرى على عكس الإلحاد الذي يتعارض مع الأفكار الدينية.
فإذا كنت علمانيّا ً مسيحيّا ً هذا يعني أنّك تؤمن بالمسيحيّة و أركانها و شخصياتها و قوانينها لكنك لا تعمم هذه الممارسات و الأركان و القوانين على الدولة أو المؤسسة التي تنتمي لها .
و هنا يمكن أن نأخذ “ ع “ كمثال مرّة أخرى و نقول أن ّ “ ع “ شخص ٌ مؤمن يؤدي جميع واجباته الدينية و هو متعمـّق في الدين و متمكن منه لكن ّ “ ع “ علماني ّ لأنه لا يفرض رأيه الديني و قوانين دينه على موظفيه في العمل .
و العلمانية و الإلحاد كأفكار و مبادئ لا يتفقان في أي ّ من نقاطهما و ربما أمكننا ، إن أعتبرنا أن ّ الإلحاد فكر ٌ يندرج تحت تصنيف ديني ، أن نقول أن ّ العلمانية تنادي بفصله هو كذلك عن الدولة .
أخيرا ً أذْكرأن ّ ما يجمع العلمانية و الإلحاد اليوم هو ليس َ أكثر من عدد من الأشخاص فالعديد من الملحدين ينادون بالعلمانية كطريقة للعيش و التعايش و يدافعون عنها و يؤيدونها ( تماما ً كما يفعل بعض المتدينون المؤمنون بها كطريقة حياة ) و لذا يربط البعض و يخطئ بربطه بين الإلحاد و العلمانية بصورة خاطئة و سطحيّة .
13 التعليقات:
شآم :
قد أوصلتم بشكل مبسط و سلس , لكل من إلتبس عليه خلاف المنهجين العلمانية \ الإلحاد .. و متفق معكم على شرح ما تفضلتم به ..
تحية طيبة
أود الاشارة فقط إلى أن من يقع بالالتباس ما بين العلمانية والإلحاد هو كل رافض لفكرة العلمانية وأقصد هنا جماعة المتدينين والمتزمتين دينياً
أما من يطلق على نفسه صفة العلمانية أو من يطلق على نفسه صفة الإلحاد فلا يمكن أن يكون بهذه السذاجة للخلط بينهم
تحياتي
مرحبا,
موضوع جيد, موضوع الالحاد ماني حابب ناقش في.
لكن موضوع العلمانية هالكلمة كتير عما نسمعى هالايام لكن هالمفهوم نشأ في أوربة نتيجة لظروف سياسية تارخية خاصة بالاوروبيين.
لكن ياترى هل ممكن يطبق هالمبدأ عنا.على مستوى الدولة باوربة كان فصل الدين عن الدولة ممكن لان نشوء الدولة سابق لظهور الدين لكن ببلادنا الدولة من البداية قامت على أساس الدين. عالمستوى الشخصي مافي داعي للعلمانية او غيرها برأيي لانو اي شخص بس يكون متسامح ويبتعد عن التعصب والمشكلة الاساسية دائما مو بالدين نفسو لكن فهمنا لالو هو المشكلة.
بس حابب قول فكرة عن العلمانية
هلق هو فعلا خطأ كتييير كبير بالنسبة لتفسير العلمانية و خصوصي للمجتمعات يلي أخدت هالمصطلح و فسرتوا على كيفها
بس أنو في فكرة أنو أنا بعرف أنو أي دين فيو أشخاص متمسكين بالدين بشكل وظيفي مثل كاهن أنو شيخ في أشخاص تانيين مرتبطين بالدين و لكن بشكل غير وظيفي و يلي هنن أغلب الشعب و يعني بالتالي إذا كان الشخص في عندوا إيمان بعقائد دينوا و مانوا مستلم مسؤولية وظيفية فأنوا هي الحالة يلي بسموها علمانية يعني مثلاً أنو أنا إذا كنت بؤمن بالله و ماني كاهن فأنو علماني
و على مستوى الدولة يعني أنو إذا مبدأ العلمانية طبقناه على نطاق واسع بعتقد أنو نتقدم كتييير على الأقل بمجال الفكر الأنساني
و هالشي شفناه بعديد من الدول الأوربية يلي رفضت السلطة الدينية و لكن لم ترفض الدين ككل
----------------------
وليد ،
شكرا ً لمرورك .. نعم هناك إلتباسات كثيرة تحصل ..
متفقون :)
تحياتي
____________
لطيفة ،
همممم ..
أعتقد أنها أصبحت أقرب إلى " موضه العصر " أن يطلق أحدهم على نفسه أسم ملحد و يعني بذلك " علماني " لكنه يعبّر عن ذلك من خلال شتم او إزلال الفكرة المقدسة الإلهية للأديان و أعتقد أن ّ هذا يحصل كثيرا ً في الفترة الأخيرة و التقيت شخصيّا ً بعدد من الشباب التي تدخل في ضمن هذه المجموعه من الناس ..
و لكنني أتفق معك أيضا ً أن ّ اللذي يطلق تماما ً على نفسه لقب ملحد أو علماني من ناحية فكرية لا يخطئ .. انما يتم الإغلاط بذلك من قبل المحيط ..
تحياتي و اتشكر مرورك
غير معرّف ،
قرأت تعليقك مساء أمس و حتـّى الآن مازلت عم فكـّر فيه ..
ربما كنت محقا ً فمؤسسة الدولة في أوربا لم تعتمد تماما ً على الدين إنما الدولة العربية نشأت على أسس دينيّة و لكن ألا يمكن اليوم و بعد كل ّ التجارب و الزمن أن لا نكون قادرين على اختيار ما يتناسب مع الزمن اليوم من أمور ( سواء كانت دينية أو غيرها ) .. ربما مازلنا غرباء عن ذلك ..
أتفق معك أن ّ العلمانية لا تلزم في حال أستطاع الإنسان التخلّص من عقده المتعصبة المتعلقة بالدين و لكن ّ ذلك غير ممكن لأنّه مبرمج بشكل آلي لا يسمح له بقراءة المسأله بالنسبه للآخر ..
و لكن أتمنى !
تحياتي
هلق أجى وقت درس العربي :)
الملحد هو المتدين سابقاً أو الذي ترك دينه، التعبير الجديد الذي يشير للمجموعة هو "لا ديني".
بالنسبة لتعليق غير معرف:
هالمفهوم نشأ في أوربة نتيجة لظروف سياسية تارخية خاصة بالاوروبيين.
لكن ياترى هل ممكن يطبق هالمبدأ عنا.على مستوى الدولة باوربة كان فصل الدين عن الدولة ممكن لان نشوء الدولة سابق لظهور الدين لكن ببلادنا الدولة من البداية قامت على أساس الدين.
مرت أوروبا بمرحلة تشبه تلك التي مررنا ونمر (بعد تحييد ثورة التكنولوجيا) بها، هم فقط يسبقوننا بمئة أو مئتي عام.
لا تنس أن أوروبا حُكمت دينياً، الأمر الذي نابنا منه الحملات الصليبية.
بالنسبة للتعليق لسابق للسيد uramium كل الامم بتمر بمشاكل وتجارب وبتوجد حلول مناسبة للمشاكل اللي بتواجهها نحنا واجبنا نفهم تجارب الاخرين لربما يكون هالفهم مساعد النا.
بالنسبة لطرح الحالة المشابهة المقصود فيها الحكم ا لديني في اوربة فهون في خلاف لانو في اوربة الكنيسة و الدولة ما كانو شئ واحد كان دائما في نزاع ما بين الكنيسة والدولة للسيطرة والسلطة بعدين طرحت العلمانية لابعاد الكنيسة نهائيا بامكانك تقرا عن صراعات ملوك اوربة و البابا. في الشرق عموما كانت طبقة رجال الدين دائما في خدمة الدولة ولم تتنازع معا السلطة ابدا.
بالنسبة للتشابه بالمراحل فاوربة ابدا ما مرت بمراحل مشابهة النا
ازا العلمانية عبارة عن فصل الدين عن الدولة وبنفس الوقت الشخص فينو يكون علماني ديني ليش ما يكون في حكم ديني علماني؟ ليش منقول انو مافي مشكلة مع العلمانية مع الدين بس منادي بفصل الدين عن الدولة منشان نكونن علمانيين؟ ليش عم نطالب بفصل الدين عن الدولة ازا ماعنا مشكلة مع الدين أصلو؟ وليش ما منطالب بحكم ديني علماني؟
إشكالية العلمانية هي انو عم تفترض انو المشكلة تكمن بأي حكم ديني, وهاد افتراض خاطئ لانو المشكلة هو أولا الدولة كسلطة بذاتها, وتانيا المشكلة بسلطة رجال الدين ياللي ترجمت الى ثقافة سلطوية تمتد إلى الحكم وإلى أفراد الشعب ياللي بمارسو هالسلطة على أفراد مهمشين تانيين.
المشكلة سلطة وبس, الدين مالو علاقة. ازا حكم ملحد او ديني او علماني كلو نفس الشي. متل ما الشخص فينو يكون مسلم علماني كمان الحكم فينو يكون اسلامي علماني, واصلا ازا كانت السلطة علمانية او علمانية دينية ما رح تروح ازمة السلطة والحكومة, مشان هيك بتلاقي دول "علمانية" بس عنصرية ضد أديان الأقلية ودكتاتورية وقال عندا نظام "ديموقراطي".
الحقيقة انو العلمانية طرح ضعيف جدا وغير مقنع بتاتا.
عزيزي غير معرف إقرأ قصة حياة مارتن لوثر والحال التي كانت عليها ألمانيا قبل ثورته وبعدها. أظن أننا نتحدث عن حقبتين مختلفتين من تاريخ أوروبا.
قصي ،
بشكرك كتير على اغناء الموضوع بالتوضيح اللي أضفته .. المشكله انو بندور بندور و بنرجع لعند الدولة .. الدولة شو بدها و هون مربط الفرس .. الدولة وقت بتربط بين الحكم و دين ما ( أي دين ) هي برأي عم " تحجّم " ، اذا صح التعبير ، المواطنين ضمن خانات قد لا تتناسب مع الجميع ..
على جميع الأحوال العلمانية موضوع معقد جدّا ً بالشرق !!
تحياتي
يورانيوم ،
أعتقد أنه هناك بعض الإختلاف بين اللاديني و الملحد .. جميعنا ننشأ بجوّ ديني و بذلك حتى الملحد أو غيره يخلق ضمن جو ديني ما ..
لكن الملحد هو الذي يرفض فكرة وجود إله و ذات علية تتحكـّم بالكون ( لعدم وجود اثباتات ) ، أمـّا اللاديني فهو الذي يرفض فكرة وجود أديان إلهية و غيرها انما يؤمن بفلسفة الإنسان و هنا لايهمه وجود اثباتات من عدمها في وجود خالق للكون او عدم وجوده ..
هكذا هي فكرتني عن هذا الحديث و لذلك أرى فارقا ًصغيرا ً بين الإثنتين ..
تحياتي لمرورك
أدعوكم إلى قراءة ملخص لمجموعة من الدراسات العلمية عن المواطنة والدين والدولة القومية في عدة بلدان في أوروبا والشرق الأوسط.
إرسال تعليق