لا عجب بأن تتقدّم “ الدراما السورية “ على أي ّ دراما أخرى عربيا ً و ربما عالميّا ً فنحن ُ يا عزيزي شعب ٌ دراميّ من الطراز الممتاز ، و لا أعني بذلك الدراما التلفزونيّة بل هذا مجرّد مقارنة ، أنما أعني الدراما الحياتيّة . فأغلب الشعب في بلادي ،و البلاد التي تعتبر محافظة، يعيش ُ في حالة دراميّة شبه دائمة ، ينتهز أيّ فرصة “للدخول “ في هذه “الحالة “ ، جميع المسلسلات و الروايات و الكتاب و القراء ، الجميع يمتلك حس “ درامي “ عالي يستطيع من خلاله أن يحوّل أيّ كلمة عتب بسيطه بين حبيبين أو صديقين أو طفلين إلى فلم درامي و حالة صراع مأساويّ قد تنتهي بشكل ٍ حزين أو تعيس جدّا ً ( حاجات و متطلبات دراميّة) .
فخذ على سبيل الإيميلات التي يتناقلها عدد كبير من الناس على الشبكة العنكبوتية و التي تحمل عناوينا ً دراميّة مثيرة جدّا ً ، مثل :
“ تخيّل أن يكون هذا آخر يوم ٍ نقضيه معا ً “
“ هل ستبكي اذا مــُت في الغد ؟ “
“هكذا يكون الحب : قتل نفسه كي ينقذ حبيبته “
و غيرها من العبارات و الإيميلات التي ما أن تفتحها حتـّى يطالعك المزيد من العبارات و التفاصيل التي “ تثير المشاعر “ عن ما يراه ُ الناس و يعتقدون أنه الطريقة المثلى لتبادل المشاعر ( المفقودة ) .. فبعضها كالذي وصلني (للمرّة العشرين ) منذ أيّام يروي قصّة حبّ بين شخصين يموت في نهايتها الشاب كي ينقذ حبيبته التي تجلس خلفه ُ على دراجة ناريّة اكتشف فجأة ( بطريقة عجيبه ) أنّ فراملها لا تعمل و أن مصير أحدهما سيكون الموت لذا أعطى حبيبته الخوذة التي يلبسها و فضّل الموت عنها !
و في إيميل آخر يسألك أن ترد على المرسل و تخبره بآخر ما تود قوله له إن كان سيموت غدا ً !!
و ايميلات و افتراضات و حالات أخرى عديدة لا أذكر تفاصيلها لكثرتها .
كذلك الأمر في البرامج التي نتابعها و الكتب التي نقرأها ( أذكر أن ّ الأكثر مبيعا ً في سوريا عام 2009 كان ، باستثناء رواية عزازيل ، كتب دراميّة و دينيّة بحتة ) و حتـّى الأحاديث التي نتشارك بها لا تخلو من “الواو” الدراميّة المبهرة للحدث .
و لا أبالغ ُ في قولي هذا أبدا ً و لا أستثني منه أحداً ( و لا حتـّى نفسي ) فجميعنا ذكورٌ و إناث ٌ، شيوخ و أطفال ( سوريون و غير سوريين ) نحتاج إلى عاطفة تربطنا بالآخرين في حياتنا و في غياب تلك العاطفة لأي سبب كان يصبح خلق هذه الحالة عن طريق الخيال هو الحل و المناخ الأنسب للتعويض وعيش هذه الحالات النابعة عن رغبات و متطلبات إنسانية.
و عندما أقول عاطفة لا أعني بالضرورة ميول عاطفي أو علاقة عاطفية بين الأجناس المتجاذبة ، لكنني لا أهملها أيضا ً فبغض ّ النظر عن أيّة عاطفة أخرى ( مفقودة في كثير من الأحيان هي الأخرى و هذا له ُ دور أيضا ً ) فإنّ الإنسان، شاء أم أبى ، بحاجة إلى شريك عاطفي ّ ينجذب نحوه بميول و يشترك ُ معه ُ بحياة و تفاصيل و أفكار و غيرها و غياب هذا الشخص يترك فجوة ً واسعة ً في حياة الإنسان ، فجوة بحاجة إلى ما يملأها ( حتـّى و إن كان وهمـا ً ) فيدخل الجميع في حالة البحث عن البديل الذي يترك ُ حالة ً دراميّة ً مميزة في كافـة التفاصيل .
و أذكر ُ هنا مسلسل “ مهند و نور “ التركي الذي وصلت أصداءه إلى آخر الدنيا !
بشكل ٍ شخصي ّ لم أتابعه ُ لكنني سمعت ُ الكثير عنه ُ ، و عن ردّة الفعل الشبابية اتجاهه التي إن كانت تدلّ على شيئ فهي تدل و تبيّن بدورها حاجة مجتمعاتنا إلى هذه النفحة العاطفية التي استطاع مسلسل تركيّ أن يذكر بغيابها عن طريق عرضها .
بالعودة للعاطفة الإجتماعية ، إن صح تعبيرها ، فإنّها إيضا ً غائبة أو مغيّبة أو ربما ناقصة كانت الكلمه الأصح، بطريقة أو بأخرى ، فنحن ُ و إن عـُرف عننا أننا شعب ٌ إجتماعيّ لكننا مقيدون بالواجبات الإجتماعيّة أكثر حبّا ً من التواصل الإجتماعي لذا ترى جمعة عائليّة مميزة مكتظّة بالعتابات و ما أن تنفض ّ حتـّى يبدأ كلّ بالحديث عن الآخر “ شفت شو كانت لابسة “ “ انتبهت شو بخيل ما مد ايده على جيبته و لا حتـّى عرض يدفع “ و غيرها و غيرها و غيرها . و حتـّى بـ " زوم إن " إلى داخل نواة العائلة الواحده نجد هناك تفكك عاطفي ّ في علاقة الأهل بالأولاد و علاقة الأولاد ببعضهم أيضا ً ؛ جميع علاقاتنا العاطفية الإجتماعيّة تمرّ عبر فلتر أجهل ُ كيفيّة و تاريخ صنعه ُ.
أخيرا ً ، نجد ُ أن ّ هذا الدور الدرامي يتجسـّد بصورتين الأولى هي تبنّي حالة الدراما و العيش على التفاعل بشكل عالي مع أيّ حدث يحصل في المحيط ببعد دراميّ جدّا ً لخلق قصص و أحداث تعوّض النقص . و الصورة التأنية تأخذ شكل “ السخرية “ من العاطفة و الدراما و كلّ ما يأتي بينهما و أعتقد أن ّ هذا النوع من الناس يرفض الإعتراف بالحاجة أو فقدان الشيئ ( لا شعوريّا ً ) فتبدأ بالسخرية منه كرد فعل. و في كلتا الحالتين نفقد التوازن المطلوب كي تنشأ علاقات سليمة و قويّة لذا نجد أغلب العلاقات التي تنشأ اليوم بين الناس مفككة أصلا ً غير قادرة على ترميم أيّة مشكلة صغيرة تحصل.
طبعا ً هناك إستثناءات كثيرة و علاقات سليمة كثيرة لكنني أتحدّث عن الصورة العامة عن المجتمعات الشرقية التي ترى بأن ّ الحب ّ “ عيب " و زيارة الأهل ، الأقرباء أو الأصدقاء و التواصل معهم بشكل دوري " واجب " ، و ترى و تحلل و تفصـّل لكل ّ باب مقصلة !
و هنا لا أقول أو أنادي بأن نستيقظ في الغد و نخرج إلى الشوارع بحثا ً عن تلك العاطفة الإجتماعيّة أو الشخصيّة كما حصل في شوارعنا بعد متابعة المسلسل المذكور أعلاه ، إنما هي مجرّد فكرة أخذت حيّـزا ً من تفكيري فأفسحت ُ لها حيّزا ً آخر في مدونتي علّ البعض يصوبني أو يشاركني الرأي .
8 التعليقات:
العزيزة شام :
السوريين ليسوا فنانين جيدين جداً في الدراما ... بل صادقون جداً .. فهم لا يمثلون بل يعكسون واقع حياتهم الدرامي أصلاً ... في كل خطوة عندنا دراما و تزداد عمقاً ... و في كل غرفة من أي بيت عربي هناك في زاوية ما دراما .. حتى دواخل أنفسنا ...فمن الملاحظ إزدياد عدد من أراهم يكلمون أنفسهم في الشارع ... و ربما أنا منهم و لا أدري..
أما العلاقات الإجتماعية و الواجبات ... و لعدم وجود مصطلح ( مجاملات ) عندي ... تقع تحت تصنيف (( النفاق الجميل ))
الكبت الإجتماعي – جعلنا نهرب لعالم لا نستطيع أن نعيشه ... ممثلاً بالدراما التركية و قبلها المكسيكية و أفلام الهند – التضحوية .. و الحمد لله لست متابع لأي منها , بل ( تجيب لي العصب الوركي ) ... أكتفي بمسلسل ( فرنيدز ) و بطلتي المفضلة ( فيبي ) , و مسلسل ( أكوردينغ تو جيم ) ....
يمكن شطحت عن موضوع التدوينة ... لا أكيد ... حاسس حالي شطحت .
تحية مسا ...
مرة بأخوية سئلت صبية جزائرية ..ان كان المجتمع السوري فيه فعلا هالئد دراما بعلاقاتو.. متل ما بتشوف بالمسلسلات وكانت متحكي وقتها ع مسلسل "اهل الغرام" تحديدا..
هلئ بالفعل المجتمع السوري بيئة خصبة لنشوء دراما بعلاقات افرادو..
ممنوعات وواجبات وتقاليد وكتير اشيا بتخليه بيئة خصبة لنشوء الدراما..
اما بخصوص تعويض النقص..
فأي ممكن يكون في هيك شي..انا أول ما جيت عالجامعة حولت بطريقة ما مجموعة احداث لقصة درامية بيني بين نفسي..
نوع من انو كنت حابب العب دور "ضحية المجتمع"..هيي القصة مو وهم انا نسجتو..لكن ممكن كون بالغت ببعض جوانبا..لتوفي شروط القصة الدرامية الجيدة..
بس ليش حبيت العب الدور..ما بعرف!؟
تعويض نقص! ..ممكن كتير..
لأنو بنحب نكون ضحية..كمان ممكن..
صباح الخير يا شام
هي جملة واحدة فقط، منذ سقوط العقل، التفكير بالضربة القاضية على يد العمامة، وتجيير تلك العمامة، إرادتنا، مشيئتنا إلى الحاكم، فقدنا القدرة على التفكير والتحليل والتطور، بتنا نعيش ذاك الفيض الدرامي في حياتنا الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية … ولنعويض حاجتنا نحن كبشر إلى التفكير بعقولنا لجأنا إلى ذاك الفيض الدرامي الزائد …
صباح الخير وليد ،
أصبت تماما ً ، " السوريين ليسوا فنانين جيدين جداً في الدراما ... بل صادقون جداً " ..
و سلامتك من العصب الوركي ;) ..
تحياتي
Michel ،
هلأ حب دور الضحية مسألة درامية من الطراز العالي .. يعني صراحة مابعرف انا شو رأي فهيا و ليش و كيف و شلون .. بس هل المجتمع مسؤول عن كل شخص فيه ؟ اي المجتمع مسؤول .. لكن هل فشل الشخص مرتبط بالمجتمع ؟ لاء مش مرتبط .. يعني هيك انت خليت مخي يفتل يفتل يفتل متل الصرصور بعد بخة البف باف هيهي ..
تحيات حمصية رفيق
خالد ،
بتفق معك بأنـّو بشكل عام التقيد الفكري بيقيّد مش بس التفكير انما الأفعال و ردات الفعل عليها .. قديش هالشي اله علاقة بالدراما الحياتية ، مابعرف لكن بالنتيجة اكيد كل شي مرتبط ببعضه بطريقة أو بأخرى ..
تحياتي
جميلة تلك التدوينة شام.. أعجبتني بحق :)
واتفق معك تماما في فكرة غياب العواطف وتحولنا من حياة التراحم الى حياة التعاقد.. لتصبح تلك الاجتماعيات الجميلة والمرحة قديما الى اعباء ثقيلة لا نصدق متى تنتهي وتمر.. حتى الهدية اصبحت رفع عتب وجالية للمشاكل والخناقات بدلا ان تؤلف القلوب.
في جانب اخر وكمحاولة عملية مني سعيت أنا الى مد الجسور في العالم الافتراضي والتواصل مع بعض المدونين والأقران ممن توسمت أننا نختلف كثيرا ولا ضير في ذلك وربما يوما ما اشتعلت خلافاتنا اكثر وتحولت الى عداء غير محمود.. واعترف أني مقصر في التواصل ومتابعة الغير والتعليق عنده.. لذلك كنتي اول القائمة ولا زلت اتواصل مع آخرين عبر وسائط اخرى واسعى على مااقدر الى المرور على جميع المدونات السورية وترك وردة هنا وهناك حتى لو بلغ الخلاف الفكري أوجه :)
أتمنى ان تمتد جسوري للجميع
عقبة ،
بتفق معك يا صديقي ، أنا علاقاتي الإجتماعية فينا نقول أكثر ترتيبا ً على الانترنت منها بالواقع .. و بعتقد هالأمر بيرجع لأريحية التعامل عالانترنت بالوقت اللي بقيّد الواقع .. عالنت بتقدر ببساطه كليك و تطفيه وقت ما بتكون بالمزاج المناسب و بهيك لا بتزعج حالك و لا بتزعج الآخرين بالوقت اللي بالواقع الناس كلها بتستنفر لتعرف شبك ، بجوز لدافع المساعدة بس انت مش محتاج مساعدة انما محتاج وقت ، و هكذا يعني .. التدوين هوّ واحد من هالأمور ، جربت أنا سابقا ً بمنتدى أخوية و في أريحية أيضا ً لكن الأريحية بالتدوين أكثر هيهي .. و طبعا ً دائما ً و بكل الأوقات ، الاختلاف بالرأي مش المفروض انه يفسد في الود قضية ، لكن توتر العلاقات و تحويلها من عاطفتها إلى اجتماعيتها بخلي الكل متوتر و جاهز للانقضاض على الآخر ..
تحياتي صديق ..
إرسال تعليق