12 تشرين الثاني، 2010

من دمشق ( الحلقة الخامسة ) : خوف ، تشرّد ، عمالة أطفال ، أم ماذا ؟

little red hood

كنت ُ على موعد ٍ مع الصديق قصي عند الساعة السادسة مساء ً في ساحة باب توما في دمشق ، وصلت ُ مبكرا ً جدّا ً فقررت ُ التجوال في الحارات الدمشقيّة القديمة و محالها الأنتيكيّة فربما أجد ُ بعض الهدايا و الذكريات بين صفحات البيوت المعتقة بالياسمين. كنت ُ أقف ُ قـُبالة أحد محال الفضيات عندما شعرت ُ بيد ٍ صغيرة جدّا ً تمتد أمامي و أخرى تدقّ على إحدى أطرافي ، نظرت ُ إليها : طفلة ً في الرابعة أو الخامسة من العمر ، سمراء البشرة شقراء الشعر، جميلة ، ربما ، ترتدي ثوبا ً أحمرا ً و تنظر ُ إليّ في طريقة تنادي الشفقة . " الله يوفقك يا خالة ، الله يخليلك ولادك " ، كنت ُ مازلت ُ أنظر إليها دونما أيّ فعل ٍ أو رد فعل معجبة ً بشيء من العفوية التي لم يحرمها منها التشرّد.

كثيرا ً ما يسألني الأطفال في دمشق القديمة مساعدة ً ماليّة ً ، اعطيهم ان توفر أو أعتذر إن لم يتوفر و أمضي في طريقي ، فإذا كنت َ من سكان دمشق أو روّاد دمشق القديمة فأنّك ستعتاد ُ على رؤية التشرّد و كأنه ُ بات طقسا ً من طقوسها أو جزءا ً من حجارتها ، ستترك ُ في كلّ مرّة تردّ طفلا ً فيها خائبا ً أمنية ً في السماء و تمضي ، و لكن ّ شيئا ً ما في عيون تلك الطفلة دفعني لمحاولة فتح حوار ٍ معها :
- ليش بدّك المصاري ؟؟
- بدي اشتري طقم
- طقم ؟!!
- إي
أجابت بحماس ٍ و بدأت تشرح لي عن " الطقم " ذو الأكمام الطويلة و ربطه الخصر ، لعلها كانت تقصد ثوبا ً أو فستانا ً و لكنها أسمته “طقم “، كانت تسهب ُ في الشرح و أنا أسهب ُ النظر في عينيها .

- و قديش حقه الطقم ؟؟
- مابعرف كتير مصاري شي ألف يمكن ..

قالتها بعفويّة ً الفراشة ( صوتها مازال َ يتردد ُ في أذني ) ، كنـّا نتبادل أطراف الحديث و نحن ُ نسير ُ جنبا ً إلى جنب ، و كأننا أصدقاء بعد َ فراق دام سنين، هي تشرح ُ لي عن " الطقم " و أنا أفكر ُ بالأسباب التي تأتي بطفلة ٍ رائعة ٍ مثلها إلى هنا ، هكذا متشردة تنحني إلى أيادي المارة أن تشفق َ على طفولتها، خطر َ لي أن أصطحبها إلى سوق الحميديّة لأشتري لها ما تريد فأنا لن أثق َ بأنها ستحصل على “ الطقم “ في حال أعطيتها نقودا ً قد يأخذها منها أحدهم أو يستغلها آخر . إستشرتها لأعرف إن كانت لا تمانع الذهاب معي إلى سوق الحميدية الذي كان يبعد مسافة ً ربما تكون أقل ّ ،أو تعادل ، المسافة التي قطعناها معا ً و هي تشرح ُ لي عن الثوب . و ما أن عرضت ُ الفكرة عليها حتى تغيّر شيئ في حديثها ، ربما هو الخوف ، و أنا أتفهم وجوده إن كان هو السبب ، و لكنني أثق ُ جدّا ً بإحساسي ( الذي نادرا ً ما يخيب ) و إحساسي لم يكن مستقرّ على أنه الخوف . رفضت الذهاب معي إلى سوق الحميدية و طلبت مني أن أعطيها النقود و هي تتكفـّل بشراءه و لكنني اخبرتها بأنني أريد ُ أن أراها و هي ترتدي “الطقم” فإقترحتُ أن أذهب وحدي إلى سوق الحميدية لأشتري لها الثوب و أعود و لكنها رفضت أيضا ً ، ربما لم تثق بأنني سأعود . ماذا إذا ً ؟؟ خفّ حماسها و تركتني إلى شخص ٍ آخر كان يمرّ بالقرب مني فتركتها و تابعت ُ السير . لمحتها بعد َ ذلك تركض ُ بإتجاه شاب كان يسنتد ُ إلى أحد الجدران ،يرتدي ملابس لا تشبه ُ أبدا ً ملابسها المرقعة ، يتزيّن باللجيل و أشباهه ُ مما يعكس لمعان الشمس على شعره ِ الأسود . تبادلت حديثا ً سريعاً معه ُ ثم ّ عادت تركض ُ بإتجاهي .

- خالة خالة ، بروح عسوق الحميدية معك ، تعي خديني بس مو بعيد السوق ماهيك ؟

- سمحلك تروحي ؟

أطرقت برأسها و كأنها لم تتوقع سؤالي ثـم ّ قالت بإرتباك :

- اي

كل ّ شيئ في وجهها كان يحاول ُ أن يتوسـّل إليّ بألّا يشعرَ هو بأنني أسألها أو بأنني انتبهت ُ لوجوده ، حافظت ُ لها على رغبتها و بدأنا السير َ معا ً باتجاه سوق الحميدية ، و في الطريق سألتها :

- مين هاد الشخص اللي سألتيه ؟

- خالي !

ابتسمت ُ ثم ّ قلت ُ بثقة :

- بعرف أنـّو مو خالك ، مبين انو مو خالك !

- مبلا خالي

قالتها بلهجة سريعة و مقتضبة جدّا ً و كأنها لا تريد ُ الخوض في هذا الحديث ، زاد ذلك من اصراري على سؤالها ، ربما لم يكن علي ّ أن أصر ّ في السؤال و لكن هذا ما حصل. لقد كانت “ذات الرداء الأحمر” من الأطفال الذين لم تتشوه عفويتهم بعد ، لا شيئ في وجهها يمكن ُ له أن يكذب حتى عندما يكذب لسانها .

- هوّ قلك تقوليلي أنو خالك ؟

لم تجب ! أدارت نظرها نحو الافق و لم تجب .

زدت ُ في إصراري :

- مين هاد ؟ ليش ما قدرتي تجي معي لحتى أخدتي اذنه ؟

- قلتلك هاد خالي !!

- و أنا قلتلك اني بعرف انه مو خالك

ساد صمت بيننا ، كنـّا كمن يتبادل الكرات الناريّة نرمي بها بعيدا ً ثم ّ نسمح ُ للهواء بأن يمرّ سريعا ً بين أصابعنا بالصمت ،

- هو قلك تقوليلي انو خالك ؟

هزّت رأسها موافقة ً ، كنـّا نقترب ُ من مدخل سوق الحميدية قرب َ فسحة الجامع الأموي عندما كسرت الصمت و سألتها مجددا ً :

ليش بتسمعي كلمته ؟ هو مو خالك و ما بيقربك ، ليش بتخافي منه ؟

- …

- ليش قوليلي ؟؟ عاملك شي ؟ بتعيشي عنده ؟ قليلي أنا بدي ساعدك !

- وين الشرطة ؟

- شرطة !!!؟؟

- يعني هون مركز الشرطة القريب وين ؟؟ شلون بروح عالشرطة ؟؟

- ليش بدّك تروحي عالشرطة ؟؟

- وين الشرطة ؟؟؟

- مابعرف وين الشرطة ليش بدك تروحي عالشرطة ؟؟

بدأت تركض بعيدا ً عائدة ً من حيث أتينا . كنت ُ أراقب ُ ثوبها الأحمر يتحرّك ملوحا ً و غضب ٌ كبير ٌ جدّا ً يستعر ُ في داخلي ، لم أكن بعيدة ً جدّا ً عن الدخول إلى عالمها الصغير ، كانت صادقة جدّا ً و عفوية ً جدّا ً و طيبة جدّا ً لكنه الخوف ، الخوف و أشياء أخرى يرعاها ذلك الشاب و يدعمها مجتمع بأكمله، جعلها تهرب . أو ربما كان علي ّ أن أكون َ أكثر َ ودّا ً معها ؟ لا ادري و لكنني لمحت ُ و أنا أراقبها تركض ُ بعيدا ً طفلا ً أكبر َ منها بقليل ( 8 سنوات تقريبا ً ) يبدو أنه كان يلاحقنا و عندما ركضت ، ركض َ خلفها .

إلتقيت ُ الطفلة مرّة ثانية ً عندما كنت ُ و قصي نخرجُ من “ صباح و مسا “ باتجاه ساحة باب توما ، في هذه المرّة طلبت “عشر ليرات “ كي تشتري “ البوظة “ ، ناولتها لها دون َ أي ّ سؤال و في داخلي مئات من الملاحظات و الأسئلة :

ماذا يفعلون مع هؤلاء الأطفال حتى يسيطرون على صمتهم كالآلهة ؟

أين تعيش ؟ ماذا سيكون مصيرها عندما تكبر ؟ من يحمي طفولتها ؟

لماذا الشرطة و هي التي تتسوّل و الشرطة ستلاحقها ؟

ماذا كنت ُ سأفعل لو أخبرتني قصتها الحقيقية ؟ هل كنت ُ سأتمكن من المساعدة ؟ ربما من الأفضل لكلينا أنها كانت أذكى مما كنت ُ و رفضت اخباري ، أو ربما كان يجب ُ عليها أن تخبرني و كنت ُ ساعدتها مهما كلّف الأمر ..

… لوحت لي مودعة ً عندما تركتها على باب “ الدكان “ بعد َ أن تأكدت ُ بأنها وفت بوعدها و استثمرت العشر ليرات في شراء “ البوظة “ التي طلبتها ، أظنها عرفت كم أحببتها من خلال لهجتي أو من خلال نظراتي إليها ، لذا لوّحت لي مودعة ً بحرارة .

تركت ُ قصي ّ و بدأت أسير و كل ّ الأسئلة السابقة تصرخ ُ و أمنية واحدة بقيت صامتة “ أن نلتقي مجددا ً “



هذه التدوينة إهداء إلى “ صديقتي “ ذات الرداء الأحمر الصغيرة إينما كانت

الصورة

ملاحظة : القصة المذكورة أعلاه حصلت في تاريخ 14 تموز 2010

12 التعليقات:

Simple يقول...

تدوينة رائعة ..

غير معرف يقول...

لك كنتي اشتريلا الطقم الله يصلحك ضروري كل هالاسئلة و الاستجوابات.
مابعرف بس كانو الصورة اللي حاططتيا بالموضوع مزعجة!

zaher يقول...

تدوينة رائعة.
سأشاركها مع اصدقائي على الFB
اسلوبك العفوي و الحرّ جميلٌ في الكتابة.

Rita يقول...

بتعرفي انو "ذات الرداء الاحمر" او "ذات الطاقية الحمراء" هوي اسم الترجمة الروسية لـ "ليلى و الديب" ؟ :)

هاي الطفلة نموذج اكتر رومانسية بكتير من اغلب الاطفال اللي مرقو بحالتها (اللي شفتهم عـالقليلة) .. يمكن هاد اللي خلاني اتعلق فيها حتّى بدون ما اشوفها؟

بيبقى السؤال اللي دايما بيخطر عـ بالي : "خالها" و اشكالو .. شو اللي موّت الانسان فيهم بطريقة بتخليهم قادرين على انو يرتكبو هيك جرائم بحق الطفولة؟
ما عم بقدر اتخيل الجواب ..

سلامات

طبشورة يقول...

Simple ،
شكرا ً جزيلا ً :)

___________

غير معرف ،
الرجاء المحافظة على حد أدنى من الرسمية بطريقة حديثك معي ،
أمـّا بعد ، بعتقد أنـّو بهمني أكتر من أني اشتريلها الطقم أني اقدر ساعدها بالمجمل ..
فيما يخص الصورة ، في رابط بأسفل التدوينة بيوصلك لصاحبها فيك تخبره عن رأيك فيها !

تحيّة

طبشورة يقول...

zahar ،

شكرا ً جزيلا ً إلك ، ردّك كتير أسعدني :)

__________

رتوشة ،

في بشوارع دمشق روايات غير معقول تصديقها .. من كذا سنة و بواحد من البرامج السورية الحوارية ، طلع طفل صغير مشرّد حكي بجرأة ، قال وقتها أنـّو ابوه تارك امه أو امه متوفية او شي من هالقبيل و ابوه متزوج و مرة ابوه كانت تعذبه ، لذلك هرب من البيت ضل فترة بدون مأوى لحد ما شخص عطف عليه و لقاله مسكن ، بعدين بلش يشغله ، و بتوقع معظم " الخوال " بيجوا بالبداية على شاكلة اللطف و من ثم ّ بصير شي و يغسلوا دماغ الأطفال ..

ملاحظة : صراحة ً اسمحيلي ارفعلك القبعة ، ما كان براسي قصة ( ليلى و الذئب ) ببداية كتابة الحادثة بس وقت كنت عم دور عصورة و كتبت Little red hood ربطت فورا ً القصة ( ليلى و خالها الذئب )بس ما رجعت اضفت اي شي عن الموضوع و لكن ما كنت متوقعه يكون في شخص تاني قادر يلقط الفكرة :) ..

.SAMER H يقول...

مرحباً:
في الحقيقة اعتدنا على قصص تغصص القلب ، وروايات تصلح لأن تعرض بشكل عالمي ، لما فيها من العمق الأنساني وعذابه المرير مع مرفقات الحياة ، فمن قال أن الحياة حلوة فهو لا يعرف شي عن هذه المرفقات المرهقات .... فقر وظلم وتشرد وجوع واستغلال والطفوله بمعناه الجديد التي أصبحت تشبه العمال والخدام والجواري .. هذه المعاني التي نقرأها قريبة جداً منا، لكن أحييك أختي الكريمة فقد أحسنت التصرف في سؤالها وأحسَنَت التصرف في هروبها فقد كتب لها أن تعيش على طريق "خالها"..
تحياتي لك..

zen يقول...

كتير حلوة
من الواقع اجى البرد
ما بعرف كيف بدون يوقفوا بالشوارع لسا
:(

زائر يقول...

ميرسي الك على التدوينة الرائعة اللي عم تنقل باحساس كبير كتير جوانب ممكن انو تصادفنا بالحياة.
هلق يمكن ما اقدرتي تساعديا متل ما كنت بتتمني والطفلة هربت بس برأيي انو كتير حلو هالاحساس اللي خلقتيه عندها وهو انو في حدا لسا مهتم في حدا ما عم يستغلها في حدا بحبها والدليل هو وداعها الك بحرارة ونظرتها نحوك.
وبظن اذا لسا في ناس مهتمة متلك وعندها هالمحبة ففيني اقول انو لسا الدنيا بخير.
دمت بخير

طبشورة يقول...

Samer.H ،

هممممم ، أختلف معك بعض الشيء ، برأي الحياة حلوة ، حلوة بالمشاركة ، بالحب ، بالمساعدة ، بالإنسان و الإنسانية ..
كتير من الأشياء اللي ذكرتها مفقودة و صايرة خفيفة و مخفية لذلك عم تصير الحياة أصعب ، بس الحياة دائما ً حلوة ،" بس نفهمها " ، كلنا سوا مش كل واحد لوحده :)

تحياتي

طبشورة يقول...

زين ،

قرأت تدوينتك ، في الواقع ، أكره اللهجة الناصحة ، بس ما بيوم من الأيام تعتقد أنـّو في شي " ما مهم " .. كل تفصيل مهم لأنه يخلق تفاصيل بعده ( أكبر أو أصغر ) و أهمال الحديث عن اي تفصيل " مو مهم " ممكن يعمل مشكلة مع الوقت ..

تحياتي إلك و تدوينتك بداية حلوة ، بانتظار المزيد

تحياتي

طبشورة يقول...

زائر ،
يا ريت فيني ساعدها بأكتر من طقم و فستان ، يا ريت في ّ ساعدها بإنسان !!

بتشكر إطراءك و في متل بيقوله بأميركا "It takes one to know one " يعني انت بحاجة تكون انسان جيّد لتقدر تشوف الإنسان التاني الجيد ..

لهيك بوجودك كمان لسا الدنيا بخير ..

تحياتي و أهلا ً بزيارتك