8 شباط، 2012

رائحة الطفولة أقوى من رائحة الموت ( قصّة قصيرة)

 

أخبرتني أنّها مختبئة بداخل خزانة الملابس التي كانت خزانتي  . . .  و كان هذا آخر ما أخبرتني به قبل َ أن ينقطع أيّ تواصل ٍ بيننا. حصل ذلك يوم الإثنين الساعة السادسه عصرا ً بتوقيت حمص و من هنا، و من ذكرياتي مع المكان و الأشخاص ولدت “مخيلتي” في هذه القصّة القصيرة:

roa120207156

كنّا في حمص قد إعتدنا على أصوات الرصاص و تكبير الجوامع، لكنّ شيئا ً في تلك الليلة كان مختلفا ً جدّا ً، الهدوء التام و كأنّ العاصفة قررت أن تأتي سيرا ً على الأقدام. يحتلّ منزلنا فسحة ً شاسعه ً من المكان، لكنّ الغرفة الوحيدة التي نستخدمها في هذه الفترة هي المطبخ، المطبخ كبير ما يكفي لكي يتسع لأريكة ٍ صغيرة ٍ و مدفئة ٍ و خزانة ملابس.

في عام 2001 قررت جدتي ،مع الدخول بالقرنٍ الجديد ٍ، أنّ تسمح َ لنا بأن نستخدم َ بعضا ً من حاجيات جدّي المتوفي في العام 1991، و قررنا في حينها أن نعيد طلاء الخزانة و نضعها في المطبخ كي تستخدمها مدبرة المنزل التي كانت تأتي للمساعدة بأعمال البيت. كانت الخزانة كبيرة ً تتسع ُ لأشياء كثيرة جدّا ً، و كنت ُ طفلة في بداية المراهقة، أردت ُ أن أجرّبها بشكل ٍ خاص ٍ أنها كانت تبدو جديدة .

في البداية بدأت ُ بوضع ِ ألعابي و كتبي و دفاتري المدرسيّة فيها، و من ثمّ خصصت ُ رفّا ً للكتب و رفّا ً للألعاب و رفّا ً للملابس التي أستخدمها في اللعب و أخيراً رفّا ً سفليّا ً للأحذية، أمّا الرفّ العلوي فلم أكن أستطيع الوصول إليه لأستثمره ُ بأيّ شيء. كنت ُ أكره ُ هذه الخزانة جدّا ً فهي غريبة الأطوار و في غير موضعها من كلّ بد ،لكنني و بالرغم من ذلك كنت أرفض ُ الإستغناء عن استخدامها.


الشمس قاربت على الشروق و لكنّ الظلام مازال يعانق ُ السماء، أصوات إنفجارات ٍ عالية ٍ بدأت تـُسمع ُ في الخارج، كان الصوت بعيدا ً بقرب ِ الزمن المتأرجح على عقارب ساعة اليد الواحدة و كعادتي حاولت ُ أن أصغي السمع لأعرف من أيّ الجهات يأتي الصوت لكنني لم أنجح هذه المرّة فقد كان صوتا ً غريبا ً لم يـُسمع قبلاً في حـِـمص، صوتا ً قيل َ فيما بعد أنه ُ صوت الصواريخ التي كانت تطلق ُ على بابا عمرو. 
بقي الحال هكذا يوما ً أو يومين أو ربما ثلاث أو اربع، أسمع ُ أصوات إنفجارات تدوي و كأنّها القيامة تهزّ المسامع و الجدران و يتراقص ُ على أنغامها زجاج ُ النوافذ.

في اليوم الأوّل كنت ُ أركض بإتجاه أيّ حائط ٍ رئيسيّ ألتصق ُ به و كأنني أنا من يساعده ُ على الإحتمال و الإستمرار في الوقوف. لكن، و ابتداءاً من اليوم الثاني للقصف بدأت أسمع أنّهم يدخلون البيوت و يسرقون المتاع و الأرواح و كلّ ما يعترض سبيلهم، فبدأتُ منذ ُ ذلك الحين أختبأ في الخزانة كلّما سمعت ُ شيئاً يتحرّك ُ غيرَ الحجر المتفجّر و الإنهيارات المفاجأه. أفكر ُ أحيانا ً أنه قد يكون هذا أغبى القرارات التي أتخذتها في حياتي، لكنه ُ في تلك اللحظه كان الأذكى على الإطلاق و كنت مقتنعه ً بأنني آمنة في هذا الصندوق.
أوّل مرّة دخلت ُ إلى الخزانة كنت ُ في حالة ٍ ذعرٍ تام ٍ فقد سمعت ُ ( أو ربما توهمت ُ سماع ) أصوات  أقدام ٍ تدوس الأرض بمكان ما قريب جدّاً و كانت الخزانة هي أوّل ما استقبل خوفي، عندما دخلتها شعرت ُ بأنّ كلّ شيء سيكون على ما يرام، رائحة الخشب المعتّق حملتني إلى أحضان المرحلة التي كنت ُ فيها تلك الطفلة التي تدعي بتحدّي المراهقة  بأنها لا تخاف ُ شيئاً في هذه الحياة، رائحة تلك المرحلة من العمر كانت أقوى من رائحة الموت !

أصوات الإنفجارات و الرصاص و الغبار كانت مستمرّة عندما كنت ُ أستعيد ُ أنا ذكريات طفولتي في العتمة . في طفولتي كنت ُ أخشى من الظلام حتّى أقنعت نفسي بأنّ الظلام هو أكثر الأشياء حريّة ً فهو يفتح المجال أمامنا لتخيّل أيّ شيء و التخلّي عن كلّ شيء ، في الظلام تصبح ُ أجمل و أقبح الأشياء متساوية ، أثمن و أرخص ُ الأشياء متساوية، البعيد و القريب ، كلّ شيء متساو ٍ. الشيء الوحيد المزعج في الخزانة هو ديق المكان. وضعت ُ كلتا يديّ على الرفّ العلويّ مباشرةً أحاول أن أقنعه ُ بأن يتحرّك قليلا ً كي يفسح لي مزيدا ً من المجال للتحرّك. مررت ُ يدي عليه ِ، هنا خططت ُ بالطبشور إسمي و إسم أخي يوماً، اذكرُ جيّدا ً الطبشورة البيضاء و عينا أخي الصغير الخائفتان من أن يرانا أحد فنقع في مشكلة، كانتا واسعتين جدّا ً و هو يراقبني و يراقب ُ المكان، أمّا عيناي فكانتا تعانيان ِ من غبار الطباشير الذي استقرّ فيهما بشكلٍ لم يعد يسمح لي بمتابعه الكتابة فبدا إسمي و كأنه ُ سهم ٌ أخطأ الهدف.

في هذه الخزانة، كلّ الأشياء أصبحت جميلة، لا أعرف إلى متى سأبقى هنا، في هذه الخزانة التي تشبه آلة الزمن فكلّ مرّة أدخلها تأخذني عبر الزمن إلى واحدة من أجمل اللحظات التي عشتها في طفولتي و تعيدني إلى هذه البقعه من أرض الحجارة السوداء و الضحك و الكوميديا التي أصبحت الآن، الكوميديا السوداء.

حمص-شيكاغو 8 شباط ( فبراير ) 2012.

مصدر الصورة ( عائلات في ملجأ التقطت أمس 7 شباط ( فبراير) 2012 )


* أنا لست ُ في حمص و لم أكن فيها و هي تتعرض للقصف و لكن ذكرياتي و خوفي على من فيها جعل َ من كلّ حرف ٍ كتبته ُ في هذه القصّة حقيقة كنت ُ سأعيشها لو كنتُ في حمص، فإذا كانت الخزانة في القصّة هي آلة الزمن، حروف ُ هذه القصّة هي آلة الزمن بالنسبة لي أيضاً .

شيرين الحايك 

3 التعليقات:

غير معرف يقول...

الحريه بدأت مع كل حرف خرج من الصمت بعد 40 عاماّ مختبأه في الافكار. كلماتك سوف تعيدك فخوره الى حمص لانك كسرت الخوف واللهم احمي كل الاحرار الذين يكتبون ويرسمون ويغنون وينشدون ويبدعون ويلعبون ولا يهربون بعد اليوم.....شكرا لك

شــيرين الحايك يقول...

شكرا ً جزيلا ً .. و اللهم آمين !

Poom Domdom يقول...

لاشيء يمكن ان يجعل من الموت مشهدا عاديا، رائحة الموت ليست رائحة يعتادها الأنسان، وإن تكررت ألاف المرات امامه،
https://sites.google.com/site/domdomyapoom/3--jdl